
جنون المصروفات والدولرة الخفية
لم تعد أزمة المصاريف الدراسية تقتصر على قيمتها المرتفعة فحسب، بل تحولت إلى ما يشبه “البيزنس” المفتوح الذي لا تحكمه ضوابط صارمة في كثير من الأحيان. ويشتكي آلاف أولياء الأمور من لجوء بعض الإدارات إلى فرض زيادات سنوية تتجاوز بكثير النِسَب القانونية المقررة من وزارات التربية والتعليم، تحت مسميات “مستحدثة” مثل رسوم الأنشطة اللامنهجية، والكتب المستوردة، وتطوير البنية التكنولوجية.
والأقوى من ذلك، هو لجوء بعض المدارس إلى ربط قيمة المصروفات بالعملات الأجنبية (الدولار أو الإسترليني) بشكل مباشر أو غير مباشر عبر تسعير مرن يتأثر بأسعار الصرف، مما يضع الأسر تحت ضغط مالي لا يمكن التنبؤ به وسط التقلبات الاقتصادية الحالية.
ثغرات الأمان.. الحوادث التيهزت الثقة
لم يعد القلق مادياً فقط؛ بل تحول إلى قلق على سلامة الأطفال الجسدية والنفسية. فقد شهدت الفترة الأخيرة (ولا سيما بعد واقعة مدرسة “سيدز” الدولية الشهيرة ومثيلاتها) صدمات متتالية للرأي العام، كشفت عن ثغرات إدارية وأمنية خطيرة داخل المنشآت التعليمية.
ويرى خبراء أن المشكلة تكمن في ثلاثة محاور أمنية:
ضعف الرقابة الداخلية: غياب الإشراف الصارم في الممرات، والملاعب، وداخل وسائل النقل (الباصات المدرسية).
معايير التوظيف: تساهل بعض المدارس في فحص السير الذاتية والسجل الجنائي والنفسي للعاملين والمشرفين (خاصة المؤقتين أو الأجانب) لتقليل النفقات.
ثقافة التعتيم: اتهام العديد من إدارات المدارس بتقديم “سمعة البراند التجاري” على حساب الشفافية، عبر محاولة التستر على المشكلات الأخلاقية أو السلوكية بدلاً من إبلاغ الجهات الرسمية فوراً.
فجوة الهوية واللغة العربية
على الجانب الأكاديمي، تتصاعد التحذيرات من “الاغتراب الثقافي” الذي يعيشه طلاب المدارس الدولية. فمع التركيز الكامل على مناهج البكالوريا الدولية (IB) أو الدبلومة الأمريكية والبريطانية (IG)، تحولت اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ المحلي إلى مواد هامشية في نظر الطلاب. هذا التهميش أفرز جيلاً غير قادر على صياغة جملة صحيحة بلغته الأم، فضلاً عن تبني بعض المدارس لأجندات ومفاهيم ثقافية غربية تصطدم بشكل مباشر مع قيم وتقاليد المجتمع الشرقي والعربي.
تحركات برلمانية ورقابية حاسمة
أمام هذا الوضع المتفاقم، تحركت الجهات الرقابية ووزارات التعليم لفرض قبضة أكثر صرامة. وتضمنت التحركات الأخيرة:
تفعيل خطوط ساخنة لتلقي شكاوى أولياء الأمور بشأن الزيادات غير القانونية في المصروفات.
تكثيف لجان التفتيش المفاجئة للتأكد من تشغيل منظومات الكاميرات، وتوافر شروط السلامة، ومراجعة تراخيص العاملين.
إلزام المدارس بتدريس مواد الهوية (اللغة العربية، التربية الدينية، الدراسات الاجتماعية) وتطبيق عقوبات تصل إلى وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري للوزارة في حال المخالفة.
لسان حال أولياء الأمور:
“نحن لا ندفع ثرواتنا من أجل تعليم متميز فقط، بل ندفعها لنشتري لأولادنا بيئة آمنة تحترم عقولهم وأجسادهم وهويتهم.. وإذا غاب الأمان، فلا قيمة لأي شهادة دولية”.
