
أكثر ما أعجبني في مسلسل “ورد على فل وياسمين” أنه لم يحاول أن يخدع المشاهد. لم يقدّم نهاية مريحة فقط لأن الجمهور يحب النهايات السعيدة، ولم يوزّع السعادة على شخصياته بالتساوي وكأن الحياة تفعل ذلك فعلًا. ترك الحكاية تسير في اتجاه يبدو قاسيًا، لكنه يشبه الواقع أكثر مما نحب أن نعترف.
كثير من الناس خرجوا من الحلقة الأخيرة وهم يشعرون بالحزن أو الغضب. بعضهم كان يتمنى أن تنتصر المشاعر على الظروف، وأن يجد الأبطال طريقًا مختلفًا، وأن يحصل الجميع على ما يستحقونه. لكن المشكلة أن الحياة نفسها لا تعمل بهذه الطريقة دائمًا. هناك أناس يصلون متأخرين، وأناس يرحلون مبكرًا، وأحلام تكتمل، وأخرى تتوقف في منتصف الطريق دون سبب مقنع.
وأعتقد أن أكثر ما وجع المشاهدين ليس ما حدث لإلهام بقدر ما كان ما حدث بعد ذلك. فالحياة استمرت. الأيام لم تتوقف. الناس أكملت طريقها. وهذا تحديدًا هو الجانب الأكثر قسوة في الواقع. نحن نحب أن نصدق أن الأحداث الكبيرة يجب أن تغيّر كل شيء إلى الأبد، لكن الحقيقة أن العالم يواصل حركته حتى عندما نشعر نحن أن الوقت توقف.
طارق عاد في النهاية إلى الحياة التي يعرفها. عاد إلى المسار الذي رسمته له ظروفه وتربيته وقناعات من حوله. وقد يرى البعض في ذلك هزيمة، بينما قد يراه آخرون انتصارًا للواقعية. لكن المؤكد أن ما حدث يشبه ما يحدث لكثير من الناس. فليس كل من يقترب من حلم جديد يملك القدرة على الاستمرار فيه، وليس كل من يكتشف طريقًا مختلفًا يستطيع أن يسلكه حتى النهاية.
أما الأب، فقد بدا مقتنعًا أكثر من أي وقت مضى بصحة أفكاره. ذلك النموذج الموجود في بيوت كثيرة، والذي يرى أن التجربة لا تساوي شيئًا أمام ما تعلّمه الإنسان عبر سنوات طويلة. قد نختلف معه، لكننا لا نستطيع إنكار أنه شخصية نراها حولنا كل يوم بأشكال مختلفة.
وربما كانت ملاحظتي الوحيدة على العمل مرتبطة بعنوانه. فكلما تقدمت الأحداث شعرت أن «ورد على فل وياسمين» عنوان لا يعكس تمامًا حجم الألم والأسئلة والاختيارات الصعبة التي حملتها القصة. كنت أبحث داخل الحلقات عن الرابط الواضح بين العنوان والحكاية، ولم أجده بالقدر الذي توقعته.
لكنني في الوقت نفسه أجد أن العنوان مناسب جدًا للحياة نفسها.
فنحن في مصر، وربما في معظم بلادنا العربية، نستخدم عبارات متشابهة كل يوم. نقول لمن يمر بأزمة: “متقلقش… هتبقى فل إن شاء الله”. ونقولها أحيانًا حتى عندما لا نملك أي ضمانة بأن الأمور ستكون بخير. لا نقولها لأننا نعرف المستقبل، بل لأننا نحاول أن نتمسك بالأمل وسط كل ما يحدث.
وهذا بالضبط ما تفعله الحياة. تمنحنا لحظات فرح وسط الحزن، وأيامًا هادئة وسط الفوضى، وأشخاصًا يتركون أثرًا جميلًا حتى لو لم يبقوا معنا طويلًا. ثم تطلب منا أن نكمل الطريق.
لذلك لم أرَ نهاية “ورد على فل وياسمين” حزينة فقط، بل رأيتها صادقة. والصراحة في الفن مؤلمة أحيانًا أكثر من أي نهاية مأساوية. لأن المشاهد لا يبكي على الشخصيات وحدها، بل على أشياء عاشها هو بنفسه، وعلى وجوه عرفها، وعلى حكايات كان يتمنى لو انتهت بشكل مختلف.
وربما لهذا السبب بقي أثر المسلسل عند كثيرين بعد نهايته. ليس لأنه قدّم قصة استثنائية فحسب، بل لأنه ذكّرنا بحقيقة نحاول الهروب منها دائمًا: أن الحياة لا تتوقف عند أحد، وأنها تمضي… سواء أحببنا ذلك أم لا
