
وأوضح التقرير أن هذا “الزلزال الهابط” للمعدن النفيس لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة تلاحم ذراعين رئيسيين في السياسة المالية العالمية: توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي)، والقفزة القوية التي حققها مؤشر الدولار أمام السلال النقديّة الأخرى.
1. صدمة الفيدرالي بقيادة “كيفن وارش”
وفقاً للتقرير، فإن الشرارة الأولى للهبوط انطلقت عقب الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تحت قيادة رئيسه الجديد “كيفن وارش”؛ حيث قرر البنك الإبقاء على أسعار الفائدة متشددة ومرتفعة عند مستوى 3.5%.
هذا التثبيت المتشدد خيب آمال المستثمرين الذين كانوا يترقبون إشارات لبدء تيسير السياسة النقدية أو خفض الفائدة. وبما أن الذهب أداة استثمارية “لا تدر عائداً دورياً” (دورياً كالفلس والفوائد)، فإن بقاء الفائدة المرتفعة جعل السندات وأدوات الدين الأمريكية أكثر جاذبية، مما دفع الصناديق الاستثمارية الكبرى للتخلي جزئياً عن حيازة الذهب وضخ السيولة في العوائد المضمونة.
2. قفزة الدولار الأمريكي (العلاقة العكسية)
السبب الثاني والشريك الرئيسي في قمع بريق الذهب -حسب التقرير- هو الارتفاع القوي لمؤشر الدولار (DXY). فعندما ألمح الفيدرالي إلى أن التضخم لا يزال تحت المراقبة الصارمة وأن الفائدة ستظل مرتفعة لفترة أطول، انتعش الطلب على العملة الأمريكية بشكل حاد.
ونظراً لكون الذهب مقوماً بالدولار في البورصات العالمية، فإن ارتفاع قيمة “الأخضر” ترفع تلقائياً من تكلفة حيازة وشراء المعدن الثمين على المستثمرين وحاملي العملات الأخرى، مما أدى إلى تراجع شهية الشراء العالمية وهبوط السعر الفوري للأوقية بنسبة تجاوزت 1.4%.
الانعكاس على السوق المحلية واستقرار الصرف
وأشار التقرير في شقه المحلي إلى أن الهبوط العالمي وجد بيئة مهيأة للتراجع في مصر؛ بفضل استقرار سوق الصرف المرن في البنوك المصرية (حيث استقر الدولار عند مستويات 50.27 جنيهاً). هذا الاستقرار ساهم في اختفاء المضاربات العشوائية والتسعير التحوطي المبالغ فيه من قبل تجار الخام، لتتحرك الأسعار محلياً بالتوازي التام مع البورصة العالمية.
توقعات الفترة المقبلة: هل يستمر النزيف؟
واختتم التقرير تحليله بالإشارة إلى أن أسواق الذهب قد تشهد حالة من التذبذب العرضي على المدى القصير بانتظار بيانات التوظيف والتضخم الأمريكية القادمة. ورغم الضغط الحالي من الفيدرالي والدولار، إلا أن التقرير لم يستبعد عودة الذهب للتماسك على المدى المتوسط، مدفوعاً باستمرار التوترات الجيوسياسية الإقليمية وضغوط أسعار النفط التي تجاوزت حاجز الـ 100 دولار للبرميل، مما قد يعيد إشعال التضخم العالمي ويدفع المستثمرين للتحوط بالذهب مجدداً باعتباره الملاذ الآمن التاريخي.
