متابعه خيرى عبد ربه

وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتكليفات رئاسية واضحة لإعداد استراتيجية وطنية شاملة لصناعة مراكز البيانات في مصر، تهدف إلى صياغة نموذج موحد يحدد المواقع المتاحة، ومصادر الطاقة المتجددة كالشمس والرياح، بالإضافة إلى المزايا والحوافز الاستثمارية المتاحة وجاهزية البنية الأساسية في قطاعي الكهرباء والاتصالات، وذلك لتسهيل الإجراءات وجذب كبرى الشركات العالمية للاستثمار في هذا المجال الحيوي.
وتأتي هذه التوجيهات إدراكاً للأهمية الاستراتيجية لمراكز البيانات التي تحولت من مجرد غرف لحفظ الخوادم إلى العصب الرئيسي للاقتصاد الرقمي العالمي والعمود الفقري للسيادة الرقمية. ومع الطفرة الكبيرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي والانفجار المعرفي، أصبحت قوة الدول تقاس بمدى قدرتها على معالجة وحفظ البيانات داخل قلاع تكنولوجية آمنة، مما يفتح الباب لتدفق استثمارات بمليارات الدولارات ويعيد صياغة النفوذ الرقمي على مستوى العالم.
وتعرف مراكز البيانات بأنها منشآت مادية ضخمة تضم أجهزة الكمبيوتر، والخوادم، وأنظمة التخزين، وشبكات الاتصالات التي تعتمد عليها المؤسسات لإدارة أعمالها. وتوضح التقارير الاقتصادية لعام 2026 أن حجم هذا السوق عالمياً تخطى حاجز 400 مليار دولار نتيجة الطلب المتزايد من عمالقة التكنولوجيا ومزودي الحوسبة السحابية، حيث تدير هذه المراكز كل شيء بدءاً من المعاملات البنكية اليومية وصولاً إلى معالجة خوارزميات الذكاء الاصطناعي المعقدة.
وتلعب مراكز البيانات دوراً محورياً في دعم القطاعات الحيوية، حيث تضمن استمرارية خدمات الحوسبة السحابية والمنصات الرقمية بكفاءة تصل إلى 99.999% بفضل أنظمة الطاقة والتبريد الاحتياطية. كما تساهم في تطوير تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي من خلال توفير معالجة فورية وضخمة للبيانات بزمن استجابة فائق السرعة يناسب السيارات ذاتية القيادة وإنترنت الأشياء، فضلاً عن دعم التجارة الإلكترونية والخدمات المالية عبر تأمين ملايين العمليات والمبادلات اللحظية في أجزاء من الثانية.
وعلى الرغم من هذه المزايا، تواجه صناعة مراكز البيانات تحديات بارزة في مقدمتها استهلاكها الضخم للطاقة الكهربائية لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد، مما دفع القطاع نحو تبني مفهوم “مراكز البيانات الخضراء” المستندة إلى الطاقة النظيفة. وتبرز أيضاً تحديات الأمن السيبراني والسيادة الرقمية، حيث تسعى الحكومات لفرض قوانين تلزم بتوطين بيانات مواطنيها لحمايتها من الهجمات الإلكترونية وبرمجيات الفدية.
وفي هذا السياق، تشهد منطقة الشرق الأوسط ومصر سباقاً كبيراً لإنشاء مراكز بيانات عملاقة بالاعتماد على البنية التحتية المتطورة ورؤية مصر 2030. وتمتلك مصر موقعاً جغرافياً فريداً يجعلها نقطة التقاء محورية لكابلات الألياف الضوئية البحرية التي تربط الشرق بالغرب، مما يعزز من فرص تحولها إلى مركز إقليمي رقمي رائد لاستضافة السحب الحوسبية العالمية في السنوات المقبلة.
وتعد مراكز البيانات الوطنية حائط الصد الأول لحماية الأمن القومي والسيادة الرقمية وسرية البيانات، حيث أصبح الاحتفاظ بالمعلومات الحساسة والمؤسسية داخل الحدود الوطنية ضرورة أمنية ملحة لتجنب مخاطر التخزين على خوادم أجنبية. وتتيح هذه المراكز المحلية للدول فرض سلطتها القانونية والرقابية الكاملة على تدفق المعلومات وتطبيق معايير أمن سيبراني صارمة، مما يضمن حماية الخصوصية الرقمية للمجتمع والنأي بالبيانات الحساسة عن أي تجسس أو صراعات جيوسياسية عالمية.
