. تحت لهيب شمس الصيف الحارقة، يعيش مربو الأسماك في محافظة دمياط أياماً عصيبة، فالأحواض التي كانت تفيض بالخير

تحولت فجأة إلى ساحة مواجهة شرسة ضد عدوى بكتيرية غامضة وموت مفاجئ يلتهم أسماك البلطي، بعدما تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى سرادق عزاء ومنابر استغاثة أطلقها أصحاب المزارع عقب رؤية شقى عمرهم يطفو نافقاً فوق سطح المياه. وانتقلنا إلى قلب الحدث لنرصد أبعاد الأزمة بين صرخات المربين وتفسيرات أهل العلم ومخاوف المستهلكين في الأسواق. البداية كانت من أحد المراكز الرئيسية للاستزراع السمكي بدمياط، حيث التقينا بالحاج أحمد عوض، صاحب مزرعة سمكية، والذي تحدث بنبرة يملؤها الأسى قائلاً إنهم لم يمروا بمثل هذه الموجة من قبل، حيث يدخلون المزارع في الصباح ليجدوا آلاف الأسماك طافية على السطح بعد إصابتها بنزيف وعمى في العين وموتها خلال دقائق، مشيراً إلى أن الأعلاف غالية والمياه ملوثة وجاءت العدوى لتقضي على ما تبقى من أمل في تعويض مصاريف الموسم. ومن جانبه يشير محمد الديداموني، صياد ومربي، إلى السوشيال ميديا موضحاً أن كل مجموعات المربين على فيسبوك وتيليجرام ليس لها سيرة الآن إلا موت البلطي، وأنهم يتبادلون النصائح والوصفات البدائية لعلاج الأسماك لكن الاستجابة بطيئة والنفوق الجماعي مرعب، مما يتطلب تدخلاً فورياً من المسؤولين قبل إعلان إفلاسهم. على الجانب الآخر، لم تقف الأزمة داخل حدود المزارع بل امتدت نيرانها إلى صفحات ومجموعات أهالي دمياط والمحافظات المجاورة، حيث رصد التحقيق حالة من التوجس بين المواطنين وتساؤلات حول سلامة البلطي الموجود في السوق، وتخوفاً تسبب في ركود نسبي ببعض الأسواق رغم أن البلطي هو الوجبة الشعبية الأولى في المحافظة. ولكشف حقيقة الميكروب المسبب للأزمة، توجهنا بالسؤال إلى الدكتور محمود الشربيني، استشاري أمراض الأسماك والاستزراع السمكي، الذي أكد أن ما يحدث حالياً هو تنشيط لبكتيريا شرسة أبرزها المكورات العقدية والأيروموناس، وهي بكتيريا انتهازية متواجدة في البيئة المائية لكنها لا تهاجم إلا عندما تتوفر لها الظروف المناسبة، مفسراً الأزمة بوجود مثلث الموت الذي يبدأ من ارتفاع درجات الحرارة القياسي المؤدي لتبخر الأكسجين المذاب في الماء وإصابة السمكة بإجهاد حراري وتنفسي حاد يضعف مناعتها، بالتزامن مع زيادة الأمونيا والمواد العضوية الناتجة عن مخلفات الأعلاف واعتماد البعض على مياه ري غير متجددة. وحملنا مخاوف الشارع إلى مصدر بمديرية الطب البيطري بدمياط، والذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه ليوجه رسالة طمأنة حاسمة للمواطنين بأن السمك المصاب بهذه البكتيريا يموت داخل حوض المزرعة فوراً ولا يمكن تسويقه لأن السمكة النافقة يتغير قوامها ورائحتها ولا يشتريها أحد، كما أن البكتيريا المستهدفة تؤثر على حيوية السمكة ذات الدم البارد ولا تنتقل للإنسان عبر الأكل خاصة مع الطهي الجيد، مؤكداً أن الأزمة هي أزمة اقتصادية تضرب الإنتاج والمربين وليست أزمة صحة عامة، وناصحاً المستهلك دائماً بشراء الأسماك الطازجة والحية. وفي نهاية التحقيق، يتضح أن إنقاذ ما يمكن إنقاذه في مزارع دمياط يتطلب خطة طوارئ عاجلة تتمثل في تشغيل البدالات ومولدات الأكسجين على مدار الساعة، وتقليل الأعلاف بنسبة خمسين بالمئة في الأيام شديدة الحرارة لأن هضم العلف يرفع حرارة جسم السمكة ويزيد الأمونيا، بالإضافة إلى تكثيف الحملات المرورية لمهندسي الثروة السمكية والبيطريين لتقديم الدعم الفني ورفع الوعي بالطرق الصحية للتخلص من النافق بالدفن الآمن لمنع انتقال العدوى بين المزارع المتجاورة لتعود أحواض البلطي إلى سابق عهدها.