كتب – أبو لبابة العيدودي
مدير مكتب مصر اليوم بتونس
تستعد تونس في 2027 لموعد جديد مع السياحة العربية، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تفتح نافذة أوسع على العالم من خلال المسرح، وتحديدًا فن المينودراما.
فهذا الفن يقوم على حضور ممثل واحد فوق الخشبة، لكنه قادر على تقديم حكايات واسعة تمس الإنسان والتاريخ والذاكرة والمكان.
ومن هنا تبرز فكرة «تونس عاصمة المينودراما 2027» كمشروع ثقافي يمكن أن يلتقي مع السياحة في مساحة واحدة. فالمسرح هنا لا يكون مجرد نشاط مصاحب للسائح، بل وسيلة لاكتشاف تونس من الداخل.
حين يتحول المكان إلى خشبة مسرح
تمتلك تونس مواقع تاريخية وسياحية يمكن أن تتحول إلى فضاءات مفتوحة للعروض المسرحية.
ومن قرطاج إلى المدينة العتيقة في تونس، مرورًا بسيدي بوسعيد والجم والقيروان وتوزر ودوز وقابس ونابل وسليمان، يمكن أن يجد فن المينودراما أماكن تحمل ذاكرة خاصة.
ولا يحتاج هذا النوع من المسرح بالضرورة إلى مسرح تقليدي ضخم. فقد يكفي فضاء له تاريخ، وممثل يحمل نصًا، وجمهور يرغب في الاستماع إلى حكاية.
وهنا تتحول السياحة الثقافية من مجرد زيارة لمكان والتقاط الصور إلى تجربة يعيش فيها الزائر تفاصيل الحكاية.
المينودراما.. جواز سفر للحكاية التونسية
يمكن للمسرح الفردي أن يفتح أبوابًا عديدة أمام الحكاية التونسية.
فقد يتناول عرض مسرحي المرأة التونسية، أو البحر، أو الصحراء، أو قرطاج، أو الهجرة، أو الذاكرة. كما يمكن أن يستحضر الحرف التقليدية والموسيقى والمدن العتيقة والواحات والحكايات الشعبية.
ويمكن لممثل واحد أن يجسد شخصية من الماضي، أو مسافرًا يبحث عن تونس، أو امرأة تحمل ذاكرة مدينة.
وقد يظهر في عرض آخر شيخ يحاور نخلة في واحة، أو بحار يروي أسرار البحر المتوسط.
وبذلك يصبح الممثل دليلًا سياحيًا من نوع مختلف. فهو لا يدل الزائر على الطريق فقط، بل يقوده إلى معنى المكان وحكايته.
من المهرجان إلى مسارات ثقافية جديدة
يمكن لفكرة «تونس عاصمة المينودراما 2027» أن تتجاوز الشكل التقليدي للمهرجانات.
وقد تتحول إلى مسارات تجمع بين المينودراما والسياحة الثقافية، ويرتبط كل عرض بمدينة أو موقع تاريخي أو حكاية من حكايات المكان.
فيمكن تقديم عرض في قرطاج يتناول الذاكرة المتوسطية، بينما يستضيف القيروان عرضًا يستلهم تاريخ المدينة وخصوصيتها الثقافية.
وفي توزر يمكن أن ترتبط العروض بالصحراء والواحة، بينما تقدم دوز مساحة مسرحية تستلهم علاقة الإنسان بالرمال.
كما يمكن أن تمتد العروض إلى المدن الساحلية والداخلية، لتتشكل في النهاية خريطة ثقافية جديدة.
وهكذا يصبح المسرح بوابة لاكتشاف الجغرافيا التونسية.
تونس بين السياحة والثقافة والفنون
إن الجمع بين السياحة والمينودراما لا يعني وضع عنوانين في مشروع واحد، وإنما البحث عن مساحة مشتركة بين الثقافة والفنون وتجربة السفر.
فالسائح اليوم لا يبحث فقط عن الفندق والشاطئ والمطعم. بل يهتم أيضًا بالتجربة والذاكرة والحكاية والخصوصية التي تميز المكان عن غيره.
وتونس تمتلك مقومات هذه التجربة. فهي تجمع بين التاريخ العريق، والجغرافيا المتنوعة، والتراث الحي، والمدن التي يمكن أن تتحول إلى مسارح مفتوحة.
لذلك يمكن أن تمثل «تونس عاصمة المينودراما 2027» فكرة ثقافية موازية للموعد السياحي، تتيح للفنانين التونسيين والعرب والأفارقة مساحة للحوار والإبداع.
وفي المقابل، تمنح الزائر فرصة لاكتشاف تونس من زاوية مختلفة، عبر الفن والحكاية والمسرح.
حين يلتقي الممثل بالسائح
في النهاية، يلتقي المسرح والسياحة عند الإنسان.
يأتي السائح من مكان بعيد وهو يحمل فضوله ورغبته في الاكتشاف، بينما يقف الممثل وحيدًا على الخشبة وهو يحمل حكايته.
وبين الفضول والحكاية يولد اللقاء.
هناك يمكن أن تتحول الساحة القديمة إلى مسرح، والواحة إلى ديكور طبيعي، والمدينة العتيقة إلى ذاكرة حية، والصحراء إلى فضاء شعري مفتوح.
ومن خلال هذا المشهد تستطيع تونس أن تقدم للعالم رسالة مختلفة:
تعالوا لاكتشاف أماكننا، ولكن تعالوا أيضًا لسماع حكاياتنا.
وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لفكرة «تونس عاصمة المينودراما 2027»؛ أن تتحول السياحة من مجرد عبور في المكان إلى رحلة داخل الذاكرة، وأن ينتقل المسرح من فرجة عابرة إلى جسر يصل تونس بالعالم.
