
وأوضح الباحث في دراسة ميدانية حديثة أن المجمع الجنائزي الفريد، الذي يمثل النواة الأولى لنشأة العمارة المقبرية في الإسكندرية القديمة، يواجه خطراً داهماً يتطلب تدخلاً هندسياً وأثرياً عاجلاً لحماية الجدران والمنحوتات الصخرية من التآكل والانهيار.
تفاصيل الأزمة: كيف وصلت المياه إلى قلب الجبانة؟
أشار الباحث إلى أن أزمة غرق الجبانة ليست وليدة اليوم، لكنها تفاقمت بشكل متسارع خلال الفترة الأخيرة نتيجة عدة عوامل متداخلة، أبرزها:
القرب من خط الساحل: تقع الجبانة في منطقة الشاطبي على مسافة قريبة جداً من شاطئ البحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها عرضة مباشرة لظاهرة “الرشح المائي” والمد البحري.
التغيرات المناخية: أسهمت ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع منسوب مياه البحر وتغير طبيعة التربة الساحلية، مما أدى إلى اندفاع المياه الجوفية من أسفل المقابر إلى السطح.
الزحف العمراني: ضغط الكتلة السكنية المحيطة وشبكات الصرف الصحي القديمة في المنطقة أدى إلى تسرب كميات من المياه العذبة والمبتذلة إلى باطن الأرض، لتختلط بالمياه المالحة وتزيد من ملوحة الرطوبة التي تفتت الحجر الجيري الهش المقامة منه المقبرة.
القيمة التاريخية لـ “جبانة الشاطبي”
تكمن خطورة هذا التهديد البيئي في المكانة الأثرية الرفيعة للجبانة؛ حيث يوضح الباحث أنها تمثل “أول مقبرة تم حفرها في الصخر بمدينة الإسكندرية”، وكانت مخصصة لدفن الطبقات المقدونية الأولى واليونانيين الذين وفدوا مع الإسكندر الأكبر وبدايات عصر بطليموس الأول.
وتتميز الجبانة بدمجها الفريد بين الفن المصري القديم والفن اليوناني الكلاسيكي (الهيلينستي)، وتضم مدافن على شكل سرير جنائزي، ونقوشاً جدارية ملونة باللون الوردي والأزرق، فضلاً عن كونها مصدراً رئيسياً لاستخراج “أواني الحضرة” الشهيرة التي كانت تُحفظ بها رماد الموتى.
توصيات عاجلة لإنقاذ الأثر
واختتم الباحث الكشف بطرح “روشتة إنقاذ” عاجلة وضعها أمام مسؤولي وزارة السياحة والآثار ومحافظة الإسكندرية، تضمنت الخطوات التالية:
منظومة سحب متطورة: تركيب شبكة طلمبات غاطسة حديثة تعمل بنظام استشعار آلي لسحب المياه الجوفية أولاً بأول دون التأثير على الاتزان الإنشائي للتربة.
حقن الحجر الجيري: تطبيق مواد كيميائية ومواد نانوية لحقن الصخور بهدف عزلها عن الرطوبة والأملاح التي تسبب “تزهير” الجدران وتساقط النقوش.
حواجز أمواج وحماية ساحلية: التنسيق مع معهد بحوث الشواطئ لإقامة مصدات وحواجز لحماية المنطقة الساحلية المقابلة للجبانة لمنع تقدم مياه البحر نحو الداخل.
