كتب: يحي خليفة

حتما هناك فارق كبير بين القراءة والثقافة، القراءة تعنى تحصيل معرفة، أما الثقافة فتعنى الاستفادة من هذه المعرفة، وطبعا لا تزال أمامنا أميال طويلة كى نصل إلى مرحلة الثقافة حتى لو تزايد زمن القراء ويقول لنا علماء الاجتماع إن ما نعانيه فى حياتنا هو ركام سنوات طويلة من التكريس لأفكار معينة، حتى صار نقاشها والخروج عليها أمرا صعبا، فقد حدث خلط واضح بين الدين والتقاليد، بين النص ورأى الشيوخ، هذا الخلط هو ما جعلنا دائما فى هذا الموقف الصعب.
لقد كانت هذه الفترة مفيدة جداً للتأمل والتفكير، وكانت أحداثها ومجرياتها مصدرا للتعلم ومراجعة الأهداف والمواقف. وقد أصبحنا متيقنين أكثر من ذي قبل أن التغيير الحقيقي لا يتأتى إلا من خلال ازدياد الوعي وتطور الثقافة، فغياب الوعي يؤثر سلبا في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكل هذا يعتمد على سلامة العملية التعليمية واهتمامها بكل الفئات العمرية، كما يعتمد على انخراط المجتمع بكل فئاته في نشر الوعي وتطوير الفكر وترسيخ القيم … ولنتذكر دوما بأنه لا وعي بلا ثقافة ولا ثقافة بلا قراءة.
الثقافة شىء يرتبط بالفكر والسلوك، والمعرفة شىء يرتبط بالذاكرة واللسان، هكذا أفكر دائما، كلما حاولت أن أفرق بين المصطلحين، وبالتالى قد تزيد المعرفة، ولكن هذا لا يعنى أن الثقافة زادت وما حدث دال جدا على أن المسيرة طويلة جدا، وأن الثقافة أمر لا علاقة له بشكل المكتبات ولا بعدد الكتب المرصوصة فيها، فنحن حتى الآن لا نملك طريقة حضارية لتقبل الآخر أو حتى رفضه بطريقة لائقة، لا نزال نؤمن بنفى الآخر وإلغائه تماما.
لقد أصبح جليا أن الشعوب التي لا زالت تفتقد إلى الوعي والمعرفة هي التي تعيش ظروفا اقتصادية واجتماعية معقدة. فالتقدم في زماننا صار يعتمد على القراءة وتحصيل العلوم والبحث الذاتي عن حقيقة الأشياء وجوهرها. ولذلك أصبح التعليم ثروة قومية تفوق قيمتها كل المعادن الثمينة. والمجتمعات التي لا تستثمر جهودها في التعليم ونشر الوعي والمعرفة بين جميع المواطنين هي مجتمعات مهددة بالزوال والاندثار ولو بعد حين
