كتب ابولبابة العيدودي مدير مكتب مصر اليوم بتونس والملحق الصحفي للمهرجان
في المكناسي، لا تأتي الخيول العربية الأصيلة لتكون مجرد عنوان لاحتفال عابر، بل تعود إلى المكان وكأنها تستعيد حضورها في الذاكرة.
وتفتح الخيول صفحات من تاريخ مدينة ارتبط اسمها بالفروسية وتربية الخيل. كما تستحضر عادات وتقاليد تناقلتها الأجيال وحافظت عليها رغم تغير الزمن.
هنا، حيث تتعانق الأرض الفلاحية مع فضاء الفروسية، يعرف الناس قيمة الفرس الأصيل. ويعرفون كذلك قيمة الأرض والزرع والعمل.
ومن هذا المكان، يأتي المهرجان الدولي للجواد العربي الأصيل بالمكناسي ليحوّل المدينة إلى فضاء نابض بالتراث والثقافة والاقتصاد والسياحة.
إنه مهرجان يستمد خصوصيته من عراقة المكناسي. كما يستند إلى علاقة راسخة بين الإنسان والفرس، وهي علاقة لم تكن يومًا مجرد امتلاك، بل قامت على الوفاء والثقة والشراكة.
الفرس العربي الأصيل.. ذاكرة عربية تمشي على أربعة قوائم
يحظى الجواد العربي بمكانة استثنائية في الذاكرة العربية.
فهو رمز للقوة والنجابة والشجاعة والجمال. كما كان رفيق الفارس في السفر والحرب والاحتفال.
وعلى مدار قرون، حافظت المجتمعات العربية على تراث الفروسية. وانتقلت خبرات تربية الخيل والعناية بها من جيل إلى آخر.
وفي المكناسي، تتحول هذه العلاقة التاريخية إلى مشهد حي.
خيول أصيلة تتقدم في الساحات. وفرسان يرتدون أزياءهم التقليدية. كما تتعالى أصوات البارود خلال عروض الفروسية.
وتكتمل الصورة بالأهازيج والموسيقى الشعبية. بينما تتوافد الجماهير للاحتفاء بالخيل واستعادة طقوس راسخة في الوجدان المحلي.
الفروسية في المكناسي.. حين يتحول التراث إلى فرجة
لا يكون الحصان وحده بطل عروض الفروسية التقليدية.
فالفارس يقدم أيضًا صورة عن مهارة الإنسان في التعامل مع جواده. ويكشف العرض عن الانضباط والدقة والانسجام بين الفارس والفرس.
وتمنح هذه العروض المهرجان روحًا خاصة.
فالساحات تتزين بالأزياء التقليدية. وتتعالى الموسيقى الشعبية. كما تظهر مظاهر الضيافة التونسية التي تضيف للمشهد طابعًا إنسانيًا مميزًا.
وفي تلك اللحظات، يصبح الماضي حاضرًا أمام الجمهور.
ويتحول التراث إلى فرجة حية. كما يصبح وسيلة للتعريف بالهوية، بعيدًا عن كونه مجرد مادة محفوظة في الكتب.
المهرجان.. وجه فلاحي واقتصادي للمكناسي
لا تتوقف أهمية المهرجان عند الجانب الثقافي والتراثي.
فالمكناسي تتمتع بعمق فلاحي واضح. ولذلك يمكن للمهرجان أن يمثل موعدًا اقتصاديًا وفلاحيًا مهمًا.
ويمنح الحدث مساحة للمربين والفلاحين والحرفيين والمنتجين المحليين. كما يتيح لهم عرض منتجاتهم والتعريف بها أمام الزوار.
وتربية الخيول نفسها ترتبط بمجموعة من الأنشطة والمهن.
وتشمل هذه الأنشطة الأعلاف والطب البيطري وصناعة السروج ومستلزمات الفروسية. كما تمتد إلى الحرف الجلدية والنقل والخدمات المرتبطة بتربية الخيل وتدريبها.
ومن هنا، يمكن للمهرجان أن يسهم في تثمين هذا القطاع. كما يمكن أن يشجع الاستثمار في تربية الخيول ويربط الجواد العربي الأصيل بالتنمية المحلية.
السياحة في المكناسي.. من صهيل الخيل إلى اكتشاف المكان
يمتلك المهرجان قدرة كبيرة على تنشيط السياحة الداخلية والثقافية والريفية.
فالزائر قد يأتي من أجل الخيول وعروض الفروسية. لكنه يجد نفسه أمام فرصة لاكتشاف المكناسي ومحيطها الفلاحي وعادات أهلها وخصوصية حياتهم اليومية.
وهنا تظهر قوة المهرجانات المحلية.
فهي تجعل من الثقافة والتراث جسرًا للسياحة والتنمية. كما تمنح المدن الداخلية فرصة لتقديم صورتها الحقيقية للزوار.
والمكناسي لا تقدم فرجة فروسية فقط.
بل تقدم حكاية مدينة. وملامح مجتمع. وذاكرة أرض. ونمط حياة ارتبط بالحصان والفلاحة والكرم.
عادات وتقاليد تقاوم النسيان
في زمن تتسارع فيه التحولات، تأتي مثل هذه التظاهرات لتعيد الاعتبار للعادات والتقاليد الشعبية.
ويبرز بينها اللباس التقليدي والضيافة والأهازيج والموسيقى والفروسية والحرف اليدوية. كما تظهر مظاهر الاحتفال الجماعي التي تمنح الحدث خصوصيته.
ولا تمثل هذه العناصر مجرد ديكور للمهرجان.
بل تعد مكونات أساسية للهوية المحلية. ولذلك تستحق التوثيق والحفاظ عليها وتعريف الأجيال الجديدة بها.
فالحفاظ على تراث الفروسية لا يعني المحافظة على الخيول فقط.
بل يعني أيضًا حماية المعرفة الشعبية المرتبطة بها.
وتشمل هذه المعرفة طرق تربية الخيل والعناية بها. كما تشمل صناعة السروج وتجهيز الفارس وتدريبه، وصولًا إلى الطقوس التي ترافق الاحتفال بالفرس الأصيل.
المكناسي.. مدينة تصهل في الذاكرة
في جوهره، يتجاوز المهرجان الدولي للجواد العربي الأصيل بالمكناسي فكرة الاحتفال بالخيول.
إنه احتفاء بالأرض والإنسان والتراث.
كما يمثل نافذة على تاريخ المدينة. ويمكن أن يكون منصة اقتصادية وفلاحية وموعدًا سياحيًا وثقافيًا يرسخ مكانة المكناسي.
وحين تصهل الخيول في ساحات المكناسي، فإن صهيلها لا يملأ الفضاء وحده.
بل يوقظ ذاكرة المكان.
ذاكرة تقول إن الفرس العربي الأصيل لم يكن يومًا مجرد حيوان جميل.
لقد كان رفيقًا للإنسان. وعنوانًا للفروسية. ورمزًا للشجاعة والكرم والجود.
وكان كذلك جزءًا من حكاية عربية وتونسية طويلة، ما زالت تفاصيلها حاضرة في الوجدان.
وفي المكناسي، تستمر الحكاية.
حكاية جواد أصيل. وفارس يعرف معنى الوفاء. وأرض تعرف كيف تحفظ أسرارها.
وحكاية مهرجان يراهن على أن يتحول التراث إلى قوة ثقافية واقتصادية وسياحية.
قوة تصنع للمكان مستقبلًا يليق بتاريخه، وتحافظ في الوقت نفسه على ذاكرة لا ينبغي أن تصمت.
