كتب ابولبابة العيدودي مدير مكتب مصر اليوم بتونس
تحتاج المهرجانات التونسية إلى مراجعة هادئة لصفة «الدولي». فهذه الكلمة لا ينبغي أن تكون مجرد عنوان على ملصق أو جزءًا من اسم تظاهرة ثقافية.
فليس كل مهرجان يستضيف فنانًا أجنبيًا يصبح دوليًا. كما أن كتابة كلمة «International» على الملصق لا تمنح أي فعالية صفة العالمية تلقائيًا.
الدولية مسؤولية قبل أن تكون تسمية.
ويُقاس المهرجان الحقيقي بقوة مشروعه الثقافي، وجودة برمجته، وتنوع مشاركاته، وقيمة ضيوفه، وحجم تأثيره.
لماذا نحتاج إلى معايير واضحة؟
تملك تونس رصيدًا مهمًا من الفعاليات الثقافية. وقد ارتبط عدد منها بتاريخ طويل وحضور يتجاوز حدود البلاد.
ومع ذلك، فإن إطلاق صفة «الدولي» على تظاهرة محدودة قد يصنع فجوة بين الاسم والمضمون.
المهرجان المحلي ليس أقل قيمة لمجرد أنه محلي. بل قد يكون أكثر ارتباطًا بذاكرة المكان وجمهوره.
لذلك، لا تكمن المشكلة في مستوى المهرجان. وإنما في منح التسمية دون توافر مقوماتها.
«الدولي» مسؤولية وليس زينة لغوية
يمكن لاستضافة فنان عربي أو أجنبي أن تضيف قيمة إلى أي برنامج. كما يمكن أن تفتح بابًا للتبادل الثقافي.
لكن المشاركة الأجنبية وحدها لا تكفي.
فالمشاركة الدولية قد تحدث في ليلة واحدة. أما المشروع الدولي فيحتاج إلى رؤية متكاملة واستمرارية وشراكات حقيقية.
كذلك يحتاج إلى تنظيم جيد، وبرنامج متنوع، وأهداف واضحة يمكن قياس نتائجها.
وبالتالي، يجب أن تكون الصفة انعكاسًا للمحتوى، لا مجرد وسيلة لجذب الانتباه.
عندما تتحول البرمجة إلى مجموعة سهرات
المهرجان ليس عدد الحفلات فقط.
وليس حجم الملصق أو عدد الجماهير معيارًا كافيًا للحكم عليه.
إنه مشروع ثقافي له هوية ورسالة. لذلك، يجب أن تجمع برامجه بين الترفيه والقيمة الفنية.
ومن المهم أن تحصل الفنون المختلفة على مساحة مناسبة. ويشمل ذلك المسرح، والموسيقى التراثية، والفنون البصرية، والكتاب، والمواهب الشابة.
وفي المقابل، لا يعني الاهتمام بالثقافة إهمال الجمهور.
فالترفيه حق مشروع. كما أن الشعبية لا تعني الابتذال.
بل يمكن للفعالية الجماهيرية أن تقدم محتوى راقيًا، إذا امتلكت إدارة فنية تعرف كيف توازن بين ذوق الجمهور وقيمة البرنامج.
هل يكفي حضور فنان أجنبي؟
الإجابة واضحة: لا.
وجود فنان من خارج تونس قد يكون عنصرًا جيدًا في أي فعالية. لكنه لا يمنحها وحده صفة دولية.
وقد شهد موسم 2026 مشاركات دولية في عدد من الفعاليات الثقافية التونسية. ويمكن لهذه المشاركات أن تساهم في تبادل الخبرات وفتح جسور جديدة بين الفنانين.
لكن هناك فرقًا بين مشاركة أجنبية ومشروع ثقافي دولي.
الأولى قد تكون فقرة ضمن برنامج. أما الثانية فتحتاج إلى شبكة علاقات وشراكات واستمرارية وتأثير يتجاوز حدود المكان.
ماذا يبقى بعد انتهاء الفعاليات؟
هذا هو السؤال الأهم.
عندما تنتهي السهرات وتغلق المنصة، ماذا يبقى؟
هل اكتشف الحدث مواهب جديدة؟
دعم الشباب؟
أنتج عملًا فنيًا؟
هل نظم ورشًا تدريبية؟
اهتم بالتراث المحلي؟
جمع مبدعين من دول مختلفة؟
ترك أثرًا واضحًا في المدينة التي استضافته؟
كما أن هذه الأسئلة تساعد على معرفة القيمة الحقيقية لأي تظاهرة.
فالمشروع الثقافي الناجح لا ينتهي بانتهاء آخر عرض. بل يترك أثرًا يستمر بعد إسدال الستار.
دور وزارة الشؤون الثقافية في التصنيف
تزداد أهمية هذه القضية مع الاهتمام بتطوير منظومة المهرجانات.
وقد شهدت السنوات الأخيرة حديثًا عن ضرورة اعتماد معايير واضحة لتنظيم الفعاليات وتصنيفها، إلى جانب إعداد كراسات شروط تساعد على رفع مستوى التنظيم.
كما يمثل محتوى المهرجان عنصرًا مهمًا عند تقييمه.
ومن هنا يمكن أن تبدأ عملية الإصلاح.
فالمعايير المعلنة تساعد المنظمين على تطوير برامجهم. وفي الوقت نفسه، تمنح الجمهور صورة أوضح عن طبيعة كل فعالية.
كيف نحمي قيمة صفة «الدولي»؟
الحل ليس في إلغاء الصفة.
بل في وضع شروط واضحة للحصول عليها.
ويمكن أن تشمل هذه الشروط جودة المحتوى، وقوة البرمجة، وحجم المشاركة الأجنبية، ومستوى التنظيم.
كما يمكن تقييم الاستمرارية، والحوكمة، ودعم الشباب، والاهتمام بالتراث.
ويضاف إلى ذلك أثر الفعالية في المدينة والجهة، وقدرتها على بناء شراكات ثقافية خارجية.
ولكن عندها تصبح صفة «الدولي» نتيجة للعمل، وليس مجرد عنوان جذاب.
تونس تحتاج إلى سلم واضح للمهرجانات
قد يكون من المفيد اعتماد تصنيف واضح للفعاليات الثقافية.
ويمكن أن يبدأ من المهرجان المحلي، ثم الجهوي، ثم الوطني، ثم الدولي.
كما يمكن تخصيص مستوى أعلى للمهرجانات الدولية المرجعية ذات الإشعاع العالمي.
ولكل مستوى شروطه ومعاييره.
وبذلك لا تتساوى تظاهرة محدودة مع مهرجان يمتلك تاريخًا طويلًا، وشراكات دولية، وإنتاجًا ثقافيًا، وحضورًا يتجاوز الحدود.
النقد يحافظ على قيمة التجربة
كما أن تونس ليست ضد المهرجانات، بل تملك تاريخًا مهمًا في هذا المجال.
ومن هنا، فإن النقد المسؤول لا يستهدف الفعاليات الثقافية. بل يسعى إلى تطويرها وحماية قيمتها.
المحلي ليس عيبًا. والوطني ليس أقل شأنًا. والدولي ليس مجرد لقب.
القيمة الحقيقية تبدأ عندما يتطابق الاسم مع المضمون.
وعندما تصبح كلمة «دولي» تعبيرًا عن مشروع ثقافي حقيقي، يستعيد هذا اللقب معناه. كما يصبح الجمهور أمام تجربة تستحق الاهتمام، وتصبح الثقافة التونسية أكثر قدرة على الحضور خارج حدود البلاد.
