بقلم: أبولبابة العيدودي
لا يُقاس الإبداع الحقيقي بعدد الكلمات أو الشهادات العلمية. بل يظهر في قدرة الأديب على تحويل المعرفة إلى رؤية، والتجربة إلى كتابة، والذاكرة إلى فضاء إنساني. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الكاتب والروائي التونسي خيرالدين جمعة، المقيم في أبوظبي منذ ثلاثين عامًا.
اختار خيرالدين جمعة أن يجعل من الأدب جسرًا للحوار بين الثقافات. كما اتخذ من الكتابة مساحة للتأمل في الإنسان وأسئلة الوجود. وفي أعماله، تتقاطع الذاكرة التونسية مع التجربة العربية الواسعة.
خيرالدين جمعة من تونس إلى أبوظبي.. رحلة ثلاثين عامًا من الإبداع
لا تمثل ثلاثون عامًا من الإقامة في أبوظبي مجرد انتقال بين بلدين. بل تعكس تجربة إنسانية وثقافية ممتدة. فقد أتاحت للكاتب اكتشاف المكان من زوايا مختلفة، والتأمل في معاني الجذور والانتماء.
وظلت تونس حاضرة في وجدان خيرالدين جمعة. فهي تحمل تاريخًا حضاريًا عريقًا وذاكرة قرطاجية غنية. كما يتميز موروثها الثقافي بتنوع روافده وعمق تأثيره.
وفي المقابل، منحه وجوده في الإمارات فرصة للتفاعل مع مشهد ثقافي عربي متنوع. وهناك تتجاور التجارب الفكرية والجمالية، وتتلاقى الرؤى والهويات.
وهكذا، يحمل الكاتب ذاكرته المحلية إلى فضاء عربي أوسع. لكنه لا يتخلى عن جذوره، بل يجعل منها منطلقًا لاستكشاف الحاضر ومساءلة الماضي.
الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد السينمائي.. تكوين معرفي متعدد
يمثل التكوين الأكاديمي جانبًا مهمًا في مسيرة خيرالدين جمعة. فقد حصل على الدكتوراه في الأدب الحديث من جامعة أبوظبي. كما حصل على الدبلوم البريطاني في النقد السينمائي.
ويكشف الجمع بين المجالين عن اهتمام بتقاطعات الفنون وأدوات التعبير. فالأدب يمنح الكاتب القدرة على استكشاف الشخصيات وبناء العوالم الروائية. أما النقد السينمائي، فيفتح آفاقًا لفهم الصورة والسرد والإيقاع والرمز.
ومن شأن هذا التنوع أن يمنح الكاتب أدوات إضافية في قراءة النصوص. كذلك يساعده على التعامل مع الحكاية باعتبارها تجربة فنية وإنسانية متكاملة.
فالشهادة الأكاديمية لا تصنع الكاتب بمفردها. لكنها تكتسب قيمتها عندما تتحول إلى وعي نقدي وحس جمالي. والأهم أن تقود صاحبها إلى طرح أسئلة تتجاوز القراءة العابرة.
«حرائق قرطاج».. رواية تستحضر التاريخ والهوية
يحمل عنوان رواية «حرائق قرطاج» دلالات تاريخية ورمزية عميقة. فهو يستدعي مدينة ارتبط اسمها بتحولات كبرى في تاريخ الحضارة الإنسانية.
ولم تكن قرطاج مجرد مدينة على خريطة البحر المتوسط. بل مثلت علامة بارزة في تاريخ المنطقة. لذلك ظلت مصدر إلهام للأدباء والمفكرين والفنانين.
وتختزل قرطاج حكاية الحضارات وصعودها وانكساراتها. كما تذكرنا بأن المدن قد تتغير وتندثر. ومع ذلك، تواصل الذاكرة مقاومة النسيان عبر الحكايات والآثار والكتابة.
ومن هنا، يفتح عنوان «حرائق قرطاج» بابًا للتأمل في التاريخ والهوية والانتماء. كذلك يطرح تساؤلات حول قدرة الرواية على إعادة قراءة الماضي.
فالموروث الحضاري ليس صفحة منتهية. بل يظل مادة حية للحوار مع الحاضر. ومن ثم، يصبح استدعاء قرطاج مسؤولية ثقافية تحمي الذاكرة من التحول إلى مجرد شعار.
«وشم بربري».. الهوية والتاريخ في ذاكرة الإنسان
في مجموعته القصصية «وشم بربري»، يقدم خيرالدين جمعة عنوانًا غنيًا بالإيحاءات. فهو يستحضر أثر التاريخ والهوية في الوجدان الإنساني.
فالوشم ليس مجرد علامة ظاهرة. وإنما أثر يحمل حكاية وتجربة وذاكرة. أما الإشارة إلى البعد البربري، أو الأمازيغي، فتستدعي المكونات التاريخية لشمال إفريقيا.
وتتميز هذه المنطقة بتنوع ثقافي وحضاري صنع ملامح هويتها عبر القرون. ولذلك، تظل موضوعات الانتماء والذاكرة حاضرة في أدبها.
ومن ناحية أخرى، تمنح القصة القصيرة الكاتب مساحة واسعة للتعبير المكثف. فهي تستطيع تحويل مشهد يومي بسيط إلى سؤال إنساني كبير. كما تكشف من خلال الشخصيات العابرة عن تناقضات المجتمع وتعقيدات الحياة.
لذلك، يمثل عنوان «وشم بربري» مدخلًا للتأمل في الهوية والانتماء. وهي قضايا تحتفظ بمكانة مهمة في الأدب العربي المعاصر.
«نساء من شمع».. ما وراء المظاهر والصور الاجتماعية
أما رواية «نساء من شمع»، فتحمل عنوانًا يثير تساؤلات حول الإنسان وصورته الاجتماعية. كما يفتح المجال للتأمل في الهشاشة التي قد تختبئ خلف المظاهر.
فالشمع مادة قابلة للتشكّل والتغير. وقد تحتفظ بصورة معينة، لكنها تظل متأثرة بالظروف المحيطة. ومن هذه الدلالة، يكتسب العنوان مساحة واسعة للتأويل.
ويمكن قراءة هذه الرمزية في ضوء العلاقات الإنسانية. كذلك تثير تساؤلات حول الفارق بين الحقيقة والمظهر، والصور التي يفرضها المجتمع على أفراده.
وتحضر المرأة في الأدب بوصفها شخصية إنسانية متكاملة. فهي تحمل أحلامها ومخاوفها وتناقضاتها. كما تخوض صراعاتها مع الواقع والصور النمطية المحيطة بها.
ومن دون حصر الرواية في تفسير واحد، يدعو عنوان «نساء من شمع» إلى اكتشاف ما وراء الوجوه. كما يطرح تساؤلات حول ما يبدو صلبًا، بينما يخفي داخله قابلية للتغير.
خيرالدين جمعة.. مشروع أدبي يجمع الرواية والقصة والفكر
تكشف أعمال خيرالدين جمعة عن اهتمام واضح بالتاريخ والذاكرة والهوية. كما تبرز فيها أسئلة الإنسان والتحولات الاجتماعية والثقافية.
وتجتمع في تجربته عدة روافد مهمة. فمن ناحية، تحضر الجذور التونسية بما تحمله من تاريخ وذاكرة. ومن ناحية أخرى، أتاح له الاستقرار في أبوظبي الانفتاح على ثقافات وتجارب عربية متنوعة.
ويضاف إلى ذلك تكوينه الأكاديمي في الأدب الحديث والنقد السينمائي. وهو ما يمنح تجربته أفقًا معرفيًا متعددًا.
وفي المحصلة، تبرز تجربة خيرالدين جمعة باعتبارها نموذجًا للكاتب الذي يرى الأدب وسيلة لفهم الإنسان واستعادة الذاكرة. كما يجعله مساحة لبناء جسور التواصل بين الثقافات.
إنها رحلة إبداعية تنطلق من تونس وتعبر إلى أبوظبي. لكنها تظل مفتوحة على فضاء إنساني أرحب. ففي عالم خيرالدين جمعة، تصبح الكتابة لغة مشتركة، وتتحول الحكاية إلى جسر يصل الماضي بالحاضر والثقافة بالثقافة.
