جلّاد الحقيقة
بقلم: محمّد عبد المعوّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تُحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
لماذا لا نصنع من القارئ نجمًا؟
تخيلوا طفلين في العمر نفسه؛ أحدهما يعود إلى بيته حاملًا كأسًا بعد فوزه في بطولة لكرة القدم. تستقبله التهاني، وتنتشر صوره، ويبدأ الجميع في الحديث عن مستقبله.
أما الآخر، فيعود حاملًا شهادة تفوق بعد شهور قضاها بين الكتب. تعلّق أسرته الشهادة على الحائط، وتنتهي الحكاية عند هذا الحد!
كلاهما اجتهد، وكلاهما يستحق الاحتفاء. لكن أحدهما وجد طريقًا ممهدًا نحو الأضواء، بينما ظل الآخر ينتظر من يخبره بأن ما يفعله يستحق الاهتمام أيضًا.
وهنا تكمن المفارقة؛ فنحن لا نفتقر إلى الأطفال الموهوبين. وإنما نفتقر أحيانًا إلى العدالة في اكتشاف مواهبهم والاستثمار فيها.
ميار محمد رجب.. حين يصبح التفوق الثقافي مصدر إلهام
لهذا، فإن أكثر ما أسعدني في فوز الطالبة المصرية ميار محمد رجب عثمان بلقب تحدي القراءة العربي، ليس مجرد الجائزة المالية الكبيرة. بل الرسالة التي يحملها هذا الفوز.
إن التفوق الثقافي يمكن أن يفتح لصاحبه أبوابًا حقيقية. كما يستطيع المجتمع أن يصنع من أصحاب العقول نماذج ملهمة، تمامًا كما يفعل مع نجوم الرياضة والفن.
فأحلام الأطفال لا تتشكل من النصائح التي يسمعونها بقدر ما تتشكل من النماذج التي يرونها. وحين يشاهد طفل فتاةً في مثل عمره تحقق إنجازًا كبيرًا بفضل اجتهادها ومعرفتها، تتسع أمامه آفاق النجاح.
عندها يدرك أن هناك مسارات أخرى للتميز، ربما لم يفكر فيها من قبل.
تحدي القراءة العربي.. أكثر من مجرد مسابقة
هنا تتجلى أهمية تحدي القراءة العربي، الذي أطلقه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عام 2015.
فالمشروع لا يكتفي بتشجيع الطلاب على مطالعة خمسين كتابًا. بل ينمي قدرتهم على الفهم والتحليل والمناقشة. كما يمنحهم مساحة للتعبير عن أفكارهم بثقة.
وبذلك تتحول المعرفة إلى تجربة حية تتجاوز حدود الفصل الدراسي. ويصبح الكتاب وسيلة لاكتشاف القدرات وبناء الشخصية، وليس مجرد صفحات يقرأها الطالب من أجل المنافسة.
هل تنتقص الجوائز المالية من قيمة المعرفة؟
قد يرى البعض أن الجوائز المالية الكبيرة تجعل المكافأة غاية في ذاتها. لكن هذا الاعتراض يغفل جانبًا مهمًا؛ فالمكافأة لا تنتقص من قيمة الإنجاز.
كما أن الجوائز الرياضية لا تقلل من قيمة الرياضة. بل إن تخصيص مثل هذه الجوائز للثقافة يعكس تحولًا مهمًا في أولويات المجتمع.
إنه تأكيد واضح على أن تنمية العقول تستحق استثمارًا حقيقيًا. وأن أصحاب المعرفة يستحقون التقدير والاحتفاء، مثلما نحتفي بأبطال الملاعب.
ما بعد الاحتفال.. كيف نكتشف مواهب جديدة؟
غير أن التحدي الأكبر يبدأ بعد انتهاء الاحتفال. فالأثر المستدام يحتاج إلى مدارس تكتشف المواهب الفكرية وترعاها.
ويحتاج أيضًا إلى معلمين يثيرون فضول طلابهم، وأسر تمنح أبناءها فرصًا متنوعة للتعلم. كما تحتاج المواهب إلى مؤسسات توفر بيئة تحتضن الإبداع، بدلًا من الاكتفاء بالاحتفاء بنتائجه.
فالقضية ليست مجرد مسابقة ناجحة. وإنما نموذج يمكن أن يعيد تشكيل نظرتنا إلى الموهبة والنجاح، ويمنح أبناءنا خيارات أوسع لصناعة مستقبلهم.
الاستثمار في العقول.. السؤال الذي يجب أن يبقى
في النهاية، فإن ما حققته ميار يتجاوز حدود إنجازها الشخصي. فقد أصبحت تجربتها دليلًا حيًا على أن الاجتهاد في المعرفة قادر على تغيير حياة صاحبه.
وربما تلهم تجربتها آلاف الأطفال لاكتشاف قدراتهم، والسير في طرق لم تخطر لهم على بال.
ويبقى السؤال:
إذا كانت مبادرة واحدة قد نجحت في فتح هذه الآفاق أمام ملايين الأطفال، فكم موهبة أخرى يمكن أن نكتشفها لو أصبح الاستثمار في العقول أولوية دائمة في مدارسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا؟
