وزير المالية: الموازنة الجديدة أكثر استجابة للمواطنين والمستثمرين.. معادلة التوازن الصعبة
في خطوة تعكس رغبة حقيقية في إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية بما يتلاءم مع التحديات الراهنة، جاءت تصريحات وزير المالية لتؤكد أن الموازنة العامة الجديدة للدولة للعام المالي 2026/2027 لم تعد مجرد أرقام صماء، بل تحولت إلى وثيقة عمل ديناميكية تتسم بالمرونة. ووصف الوزير الموازنة بأنها أكثر استجابة للمواطنين والمستثمرين، وهي عبارة تختزل الفلسفة الجديدة التي تتبناها الدولة في تحقيق التوازن الجاد بين الانضباط المالي وتخفيف الأعباء المعيشية، بالتوازي مع دفع عجلة الإنتاج الخاص. فكيف تترجم بنود الموازنة الجديدة هذا الشعار على أرض الواقع؟
أولاً: المواطن في قلب الموازنة.. مظلة حماية ممتدة وتطوير للخدمات الاستجابة للمواطن لم تعد تقتصر على الدعم التقليدي، بل امتدت لتشمل حزمة متكاملة من شبكات الأمان الاجتماعي وتطوير الخدمات الأساسية، وتجلى ذلك في تخصيص نحو 832.3 مليار جنيه لبرامج الحماية الاجتماعية بنمو سنوي يبلغ 12%، لدعم ورعاية الفئات الأكثر احتياجاً وتخفيف أعباء التضخم. كما تصدرت قطاعات التعليم والصحة أولويات الإنفاق، مع إقرار زيادات استثنائية لأصحاب المعاشات، ورفع دخول الأطباء، وزيادة حافز التدريس للمعلمين، مما يعكس استثماراً مباشراً في رأس المال البشري. إلى جانب رصد 12.9 مليار جنيه لدعم السكن الاجتماعي، وزيادة مخصصات قطاع الكهرباء والمرافق الحيوية لضمان استدامة الخدمات للمواطنين.
ثانياً: المستثمر شريك أساسي.. 90 مليار جنيه لتحفيز الإنتاج والتصدير على الجانب الآخر، تدرك الحكومة تماماً أن نمو الاقتصاد وتشغيل العمالة لن يتحققا دون مجتمع أعمال قوي ومستقر. لذا، قدمت الموازنة الجديدة حوافز غير مسبوقة للمستثمرين، من أهمها رصد 90 مليار جنيه للتوسع في برامج دعم الإنتاج والصادرات الخدمية والسلعية، مع ربط استحقاق هذه الحوافز بنقاط ونتائج ملموسة على أرض الواقع. وتم تخصيص 48 مليار جنيه لرد الأعباء التصديرية، ونحو 7 مليارات جنيه لدعم القطاع السياحي باعتباره رافداً أساسياً للنقد الأجنبي. وتضمنت الموازنة أيضاً تقديم 6 مليارات جنيه لتسهيلات تمويلية للقطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية، و5 مليارات جنيه لدعم المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال، بالإضافة إلى 5 مليارات جنيه لدعم صناعة السيارات، وملياري جنيه لتحفيز الصناعات ذات الأولوية، مع إقرار حزمة من التسهيلات والتبسيطات الضريبية لإنهاء النزاعات وبناء جسور الثقة والشراكة مع مجتمع الأعمال.
ثالثاً: الانضباط المالي والموازنة الموحدة لأول مرة اللافت في موازنة هذا العام هو السعي نحو الاستدامة وهيكلة الدين العام؛ حيث استحدثت وزارة المالية مفهوم موازنة الحكومة العامة الموحدة التي تدمج موارد واستخدامات الجهاز الإداري للدولة مع الهيئات الاقتصادية والخدمية لإظهار القوة الحقيقية للمالية العامة وزيادة الشفافية. وتستهدف الموازنة تحقيق فائض أولي طموح يقدر بـ 1.2 تريليون جنيه بنسبة 5% من الناتج المحلي يُوجَّه لخفض الدين والحماية الاجتماعية، وخفض العجز الكلي ليصل إلى 4.9%، وتقليص حجم الدين لأجهزة الموازنة إلى نحو 78% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027، صعوداً بمعدل النمو الاقتصادي المستهدف إلى 5.4%.
خلاصة القول إن موازنة 2026/2027 تمثل وثيقة مصالحة وتحفيز؛ فهي تصالح المواطن بزيادة الإنفاق على احتياجاته اليومية وحمايته اجتماعياً، وتحفز المستثمر عبر تقليل الأعباء وتقديم تسهيلات تمويلية وضريبية ملموسة. النجاح الحقيقي لهذه الموازنة بات مرهوناً بكفاءة التنفيذ على الأرض، وقدرة القطاعات الإنتاجية على استغلال هذه التسهيلات لتحويل الاقتصاد المصري إلى اقتصاد مرن، صامد، وأكثر قدرة على مواجهة الصدمات العالمية.
