يا نخلةً
خرجت من ضلع الصحراء،
ومشت حافيةً
نحو السماء…
يا امرأةً
لا يعرف العطشُ اسمَها،
ولا تنحني
إلا حين يثقلها الذهب.
في الجنوب،
حين يولد الصباح،
تفتحين كفَّيكِ للخالق،
وفي عروقكِ
يجري ماءٌ قديم،
تعرفه القبائل
قبل أن تعرف الخرائط.
يا نخلة العرب،
يا أمَّ التمر،
يا سيدة الواحة،
وحارسة السر…
منكِ تعلّمنا
أن يكون الجوع أقلَّ قسوة،
وأن يكون السفر ممكنًا،
وأن يجد العابر
ظلًّا حين تخونه الشمس.
من سعفكِ
نسجت الجداتُ
أسرار البيوت،
ومن جذعكِ
صنع الأجدادُ
أبواب الحكاية،
ومن ليفكِ
ربطوا أشياءهم،
كي لا تضيع في الريح.
ومن ثمركِ
كان للضيف
أول الكلام،
وللفقير
زادٌ،
وللمسافر
رفيقٌ صغير
في حقيبته.
يا نخلةً
قدّسها العربي،
لا لأنها شجرة فقط،
بل لأنها
تشبهه…
واقفةٌ في وجه العاصفة،
جذورها في التراب،
وقامتها
لا تفاوض السماء.
وحين يأتي موسم الجني،
يصعد الرجال إليكِ
كأنهم يصعدون
إلى شرفةٍ من نور،
ويهبطون
وعلى أكتافهم
عناقيد من الشمس.
دقلة النور
دقلة النور…
يا ابنة الصحراء المدللة،
يا قطرة العسل
المعلّقة في عنق النخلة،
يا ذهبًا لا يُسكب
في خزائن البنوك،
بل في أفواه الأطفال،
وفي ذاكرة الأمهات.
في قبلي
تكتبين قصيدتكِ بالرمل،
وفي توزر
تغسلين قدميكِ
بماء الواحة،
وفي قفصة
توقظين الجبل،
وفي قابس
تفتحين نافذةً
على البحر.
أيتها النخلة،
يا صلاةً خضراء
بين الأرض والسماء…
إن سألوا العرب
عن معنى الكرامة،
فليشيروا إليكِ.
وإن سألوا الصحراء
عن معنى الحياة،
فلتضع يدها
على جذعكِ.
وإن سألوا الزمن:
ماذا أبقيتَ لنا؟
قل لهم:
تركتُ نخلةً…
وترك الإنسانُ
تحت ظلها
قلبه.
يا نخلة العرب،
لا تموتي…
فأنتِ
آخر ما تبقّى
من طفولة الرمل،
وأول ما يولد
حين تصحو الأرض.
وأنتِ،
حين تهبّ الريح في سعفكِ،
لا تصفقين…
بل تقولين للعالم:
هنا الجنوب…
هنا تونس…
وهنا نخلةٌ
تعرف طريقها
إلى الخلود.
