كتب: أحمد زينهم
لم تعد تجربة الطاهر عمر مجرد فيديوهات تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى نموذج للحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية، بعدما اختار أن يقدم محتواه بلهجته السودانية كما هي، في وقت تتجه فيه منصات التواصل إلى أنماط موحدة بحثا عن الانتشار.
الطاهر عمر يختار اللهجة السودانية
ظهر الطاهر عمر في وقت بدأت فيه اللهجات المحلية تتراجع أمام المحتوى الأكثر انتشارا والأوسع فهما بين الجمهور العربي. لكنه اتخذ طريقا مختلفا، فلم يعتمد على الفصحى أو لهجة عربية شائعة، واختار تقديم محتواه باللهجة السودانية الخالصة.
هذا الاختيار لم يكن مجرد وسيلة لصناعة محتوى مختلف، بل أصبح جزءا أساسيا من هويته أمام الجمهور. فقد قدم الكلمات والتعبيرات التي يسمعها السودانيون في حياتهم اليومية، واستعاد مفردات مرتبطة بالبيت والسوق والشارع.
البداية من كاميرا الهاتف
بدأ الطاهر عمر بطريقة بسيطة، من خلال كاميرا الهاتف وخلفيات عادية ومواقف مألوفة من الشارع أو المنزل. ولم يعتمد على إنتاج ضخم أو مؤثرات معقدة.
كانت العفوية هي العنصر الأبرز في تجربته. شعر الجمهور بأنه يتحدث بلغتهم وبالطريقة التي اعتادوا سماعها من أمهاتهم وأسرهم وفي تفاصيل حياتهم اليومية.
ومع الوقت، أصبحت هذه البساطة واحدة من أهم أسباب ارتباط الجمهور بمحتواه.
اللهجة السودانية تتحول إلى هوية
لم يقدم الطاهر عمر اللهجة السودانية باعتبارها مادة للسخرية أو وسيلة لإطلاق النكات فقط. على العكس، تعامل معها باعتبارها لهجة كاملة تحمل تاريخا ومفردات وإيقاعا خاصا.
وتناول من خلالها موضوعات مختلفة، بينها الحب والغربة والقضايا الاجتماعية في السودان. ورغم وجود كلمات قد تبدو غير مألوفة لبعض المتابعين العرب، فإن المحتوى استطاع الوصول إلى جمهور خارج السودان.
وتفاعل متابعون عرب مع المقاطع وشاركوها، وهو ما منح اللهجة السودانية مساحة أوسع للحضور على منصات التواصل الاجتماعي.
من صانع محتوى إلى صوت ثقافي
مع اتساع دائرة المتابعين، تجاوز حضور الطاهر عمر وصفه كصانع محتوى فقط. وأصبح بالنسبة إلى كثيرين صوتا يعبر عن جانب من الثقافة السودانية اليومية.
وشارك سودانيون مقاطعه باعتزاز، وردد بعضهم عبارات تؤكد أن ما يقدمه يمثل لهجتهم وطريقة حديثهم. كما وجد طلاب جامعات عرب في بعض مقاطعه نماذج يمكن الاستعانة بها للتعرف على تنوع اللهجات العربية.
ولهذا أطلق عليه متابعون وصف سفير اللهجة السودانية، وهو وصف جاء من الجمهور ولم يقدمه لنفسه.
مشروع يتجاوز صناعة المحتوى
يمثل الطاهر عمر في تجربته صورة للحياة السودانية اليومية، بما فيها من أحاديث داخل المنازل والمقاهي ووسائل المواصلات واللقاءات العائلية.
ولا تتوقف رؤيته عند حدود مقاطع التواصل الاجتماعي، إذ يتجه مستقبلا إلى تقديم مسلسل درامي كامل باللهجة السودانية، إلى جانب مشروع لتوثيق بعض الكلمات والمفردات التي بدأت في الاختفاء.
كما تشمل أفكاره جولات بعنوان «يوم مع اللهجة السودانية»، بهدف الاقتراب أكثر من تفاصيل اللهجة ومفرداتها واستخداماتها في الحياة اليومية.
وتحمل هذه التجربة رسالة واضحة، مفادها أن الحفاظ على اللهجة المحلية لا يعني الانغلاق عن العالم، بل يمكن أن يكون وسيلة لتعريف الآخرين بثقافة مختلفة وصوت يحمل خصوصيته.
وفي النهاية، تختصر تجربة الطاهر عمر فلسفته في سؤال بسيط: «لو خبيت لهجتي من البداية، منو حيوريها للعالم؟»
