
لم تكن خطيئة عبدالله سوى أنه ولد يتيماً، ووجد نفسه باكراً أمام مسؤولية إعالة أسرته، فترك ألعاب الطفولة وارتدى ثياب العمل الملطخة بالشحم ليوفر لقمة عيش حلال تستر أهله، لكنه لم يكن يعلم أن لقمة العيش هذه ستكلفه قطعة من جسده وسلامة روحه.
بدأت الفاجعة داخل ورشة الميكانيكا التي يعمل بها الطفل، حيث اتهمه صاحبا الورشة، وهما شقيقان، بسرقة مبلغ مالي دون أي دليل. وبدلاً من تحري الحقيقة أو اللجوء لأسرته، أغلقا عليه الأبواب ليدخل الطفل في “سلخانة” حقيقية استمرت على مدار ثلاثة أيام كاملة. اثنتان وسبعون ساعة من الرعب والتعذيب المتواصل، كان عبدالله خلالها مقيداً، وكلما تعالت صرخاته مستحلفاً إياهم ببرائته وقائلاً أبوس إيديكم كفاية، كانت السياط والعصي تنهال على جسده النحيل بقسوة أشد، حتى انسلخ جلده وتورم بدنه بالكامل. وعندما شعر المتهمون أن أنفاسه تكاد تفيض، ألقوا به في الشارع بلا رحمة.
عثر الأهالي على الطفل ملقى في حالة يرثى لها، يصارع الموت بصمت بعدما جفت دموعه من الخوف والألم، ونقلوه على وجه السرعة إلى مستشفى أشمون العام. وهناك، لم يتمكن الطاقم الطبي ولا الحاضرون من تمالك دموعهم أمام بشاعة الإصابات التي غطت ظهر وجسد الصغير، وسارعت إدارة المستشفى بإبلاغ الشرطة التي تحركت فوراً وألقت القبض على المتهمين واقتادتهم مكلبشين إلى سراي النيابة.
ووسط هذا الظلام، تجسد مشهد إنساني أبكى الجميع داخل غرفة المستشفى، حينما انتقل وكيل النائب العام بنفسه إلى سرير الطفل المصاب. ممثل القانون ترفع عن رسميات منصبه وجلس بجوار الصغير الخائف، وطبطب على رأسه وكتفه بلهجة الأب الحنون قائلاً له: ماتخافش يا عبدالله، أنت في أمان ومحدش هيقدر يمسك تاني، وحقك هيرجعلك تالت ومتلت. في تلك اللحظة، انهار عبدالله بالبكاء بعد حبس طويل لأوجاعه، وتباكى معه كل من شهد الواقعة، في مشهد يؤكد أن العدالة في مصر تمتلك عيناً تبكي على المظلوم ويداً تضرب من حديد على يد الظالم.
