لم يكن يوم امتحان الكيمياء للثانوية العامة مجرد يوم اختبار عادي، بل كان تجسيدًا لشرخ عميق بين واقع يعيشه الطالب داخل اللجان، وافتراضات يطلقها البعض من خلف شاشات الهواتف. فبينما كانت جدران المدارس تشهد دموعًا وإحباطًا وخوفًا عاشه طلاب الشعبة العلمية، خرجت أصوات عبر منصات التواصل الاجتماعي تُطلق أحكامًا متعجلة، واصفة الامتحان بـ “السهولة المطلقة”، في مشهد يفتقر لأدنى درجات التعاطف الإنساني والمهني.
إن تقييم أي امتحان شريطة أن يكون منصفًا، لا يمكن أن يتم والمقيِّم يجلس في منزله، يرتشف قهوته في هدوء، ممسكًا بورقة وقلم بلا أي التزام زمني أو ضغط نفسي. هناك فارق شاسع بين معلم يمتلك خبرة سنوات ويحل أسئلة الامتحان في مكتبه، وبين طالب بعمر الثامنة عشرة، يقف أمام مستقبله تحت وطأة سنة كاملة من الاستنزاف العصبي والمادي، وتحت رعب الدقائق التي تمر كالثواني داخل اللجنة.
الواقع الذي يجب أن نعترف به دون مواربة هو أن امتحان الكيمياء جاء ثقيلاً، مليئًا بالتفاصيل التي تحتاج إلى وقت وجهد ذهني مضاعف، وهو أمر قد يكون متوقعًا في منظومة التقويم الجديدة، لكن غير المتوقع هو تسابق بعض المعلمين منذ الدقائق الأولى لانتهاء الوقت لإعلان “سهولة الامتحان”. هذا المسلك لا يعبر عن الحقيقة، بقدر ما يعبر عن رغبة حب الظهور، و”استعراض العضلات” لإثبات العبقرية واحتلال صدارة المشهد، دون أدنى مراعاة لنفسية جيل كامل يمر بأوقات عصيبة.
إن المقياس الحقيقي لنجاح أي اختبار أو عدالته ليس المعلم، بل هو “الطالب المتوسط” الذي يوضع تحت الضغط والرهبة. وسهولة الامتحان في عين الخبير لا تعني بالضرورة جاهزية الطالب لحله في ذات الزمن القياسي. لقد نسي هؤلاء أن الكلمة أمانة سنُحاسب عليها أمام الله، وأن تطييب خواطر الطلاب ومراعاة انكسارهم في هذه اللحظات الفاصلة هو جزء أصيل من الدين والخلق والمسؤولية التربوية؛ فالراحمون يرحمهم الرحمن.
إن إنكار صعوبة الامتحان لن يغير من الواقع شيئًا، والتقليل من معاناة الطلاب لمجرد إثبات التميز الشخصي هو خذلان تربوي بامتياز. والواجب اليوم يفرض على الجميع مساندة هؤلاء الطلاب، وتذكيرهم بأن السعي مأجور، وأن النتيجة بيد الله وحده، وأن رب العزة عادل لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ثقوا تماماً أيها الطلاب أن نصيبكم وخيركم مكتوب عند رب كريم لن يخذلكم أبداً، فما كان امتحان الكيمياء نهاية المطاف، بل هو خطوة في رحلة طويلة يخبئ الله لكم في نهايتها كل الخير.
