كتب حاتم الورداني علام

قال مأمون السلمي رحمه الله: لما توفي أبو عبد الله بن مقاتل غسلناه وكفناه ودفناه، فهتف بنا هاتف من السماء:
الحمدلله الذي أوصل الحبيب إلى الحبيب راضياً مرضياً.
وقال رجل من أصحاب أبي عبد الله: رأيته في المنام بعد موته كان يتبختر في حظيرة القدس.
فقلت له: ما هذا التبختر يا أبا عبد الله، أليس قد نُهينا عنه؟ فقال: هذا مشي الخدام، في دار السلام، عند الملك العلاّم.
ورؤي ذو النون بعد موته في المنام، فقيل له: ما حالك؟ قال: سألت الله أربع مسائل، فأعطاني اثنتين، وأنتظر اثنتين، فقيل: وما هن ؟ قال: قلت:
إلهي إن قبضتَ روحي فلا تكلني إلى ملك الموت.
وإن سألتني فلا تكلني إلى منكر ونكير.
وإن أهنتني فلا تكلني إلى مالك.
وإن أكرمتني فلا تكلني إلى رضوان.
وحكي أن داود العجمي (1) لما مات حُمِلَ إلى قبره، فإذا هو مفروش بالرَّيحان، فأخذ الذي يدفنه شعبة من الرياحين، وكان الناس ينظرون إليها تعجباً سبعين يوماً لم يتغير حالها، فأشخص الأمير وأخذها من الرجل، ففُقِدت فلا يُدرى كيف ذهبت؟!
وقال عمار بن إبراهيم: رأيت المسكينة الطاوية بعد موتها في المنام، وكانت تحب مجلس الذكر، فقلت: مرحباً يا مسكينة.
فقالت: هيهات يا عمار، ذهبت المسكينة، وجاء الغنى.
قلت: هنيئاً لك،
فقالت: وما تسأل عمن أبيحت له الجنة بحذافيرها.
قلت: بماذا؟
قالت: بمجالس الذكر.
فقلت: فما فعل الله بعلي بن زادان؟
فضحكت وقالت: كساه حلة البهاء، وقيل له: يا قارئ! اقرأ، وارْقَ.
وقال ابن أبي الحواري (2) رأيت الواصلي بعد موته في المنام، كأنه قائم في الهواء، وقد امتلأ الهواء من نوره، فقلت له: ما فعل الله بك؟
قال: نعم المولى مولانا، غفر لنا وأكرمنا، وفعل بنا ما هو أهله.
قلت له: أوصني!
قال: عليك بمجالسة الذاكرين، فإنهم عندنا في الرفيع من الدرجات.
ولما حضر معاذاً الموت أغمي عليه، ثم أفاق، فقال: ألحِقوني بالذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، ثم ضحك وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله الحمد لله ثم مات.
وحكي أن امرأة دخلت على عائشة رضي الله عنها، فصلت عند قبر النبي ﷺ، ثم سجدت فلم تزل تقول واشوقاه، فلم ترفع رأسها حتى ماتت.
وقال جعفر الضبي: حضرت زيارة قبر مالك بن دينار، فقلت: ليت شعري ما فعل الله بمالك؟ فسمعت صوتاً من فوق مالك يقول:
مالك نجا من المهالك، ومن وعثاء المسالك، وصار إلى دار السرور، بمجاورة الرب الغفور، فقلت: الحمد لله.
وقال ابن بكّار: صلينا الغداة يوماً بالمَصِّيصة(1)، فلما سلَّم الإمام قام رجل وقال: يا أيها الناس إني رجل من أهل الجنة، وإني أموت اليوم، فمن كانت له حاجة فليأت، فلما صلينا العصر مات الرجل في سجوده.
وحكي أن الحارث بن عمرو الطائي(2)، مرض بإرمينية فيوماً من الأيام، استقبل القبلة وصلى ركعتين، ثم قال في آخر سجوده:
اللهم إن أسألك باسمك الذي هو قوام الدين، وبه ترزق العالمين، وبه تحيي العظام وهي رميم، إن كان لي خيرٌ عندك فعجل قبضتي، ثم سكت فحركوه فإذا هو ميت.
وقال مالك بن دينار رضي الله عنه: كان لي رفيق، وكان والله من العارفين، فمرض فحضرته لأعوده، فإذا هو رافع طرفه نحو السماء، وقال:
اللهم إن كنت تعلم أني أحبك فبارك لي في لقائك، فلم يتم كلامه حتى مات.
وحكي أن رجلاً رأى مالك بن دينار رضي الله عنه كأنه في قصر معلق في الهواء بحيث لم يصف الواصفون حسنه.
فقال: ما فعل الله بك يا مالك؟
فقال: أنزلني ربي في هذا القصر كما ترى، وأباح لي أن أنظر إليه كلما اشتقت إلى رؤيته بلا كيف ولا شبيه، والحمد لله رب العالمين.
ولما حضرت الوفاة سيدي الشيخ منصور بكينا حوله فأفاق من غشيته وقال:
مَوْتُ المحبِّ حَيَاةٌ لا انْقِطَاعَ لَها
قَدْ مَاتَ قومٌ وَهُم في النَّاسِ أحْيَاءُ
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ، وقضى نحبه رضي الله عنه وعن عباد الله الصالحين أجمعين.
