
إليك إعادة صياغة تحريرية شاملة للموضوع، صِيغت بأسلوب المجلات الإنسانية والتحقيقات الصحفية المشوقة، مع الحفاظ على روح الحكاية الشعبية وأصالة المضمون:
عمرها 70 عاماً.. «الأشقاء الأربعة» يقودون قطار التراث وأدوات الأضاحي في أعرق ورش «قيسارية سوهاج»
مع اقتراب ظلال عيد الأضحى المبارك، تدب حيوية استثنائية في أزقة “القيسارية”—أقدم وأشهر الشرايين التجارية بقلب مدينة سوهاج. هناك، حيث الشوارع الضيقة المتعرجة التي لا تتجاوز أمتاراً قليلة، يتحول المشهد اليومي إلى طقس شعبي موروث؛ حيث يتوافد الأهالي والجزارون من مختلف القرى والمراكز صوب ورش سن السكاكين والسواطير لتجهيز أدواتهم استعداداً لموسم الذبح.
وفي نهاية أحد تلك الدروب العتيقة، تقف ورشة حدادة فريدة تروي حكاية كفاح ممتدة عبر الأجيال، يديرها أربعة أشقاء توارثوا أسرار “المهنة والنصال” عن آبائهم وأجدادهم ليحافظوا على إرث عائلي صامد في وجه الزمن.
70 عاماً من اللهب والنصال
يروي “عطا الكريم جاد”، أحد الأشقاء القائمين على الورشة، أن هذا المكان يمتد عمره لأكثر من سبعة عقود، مشيراً إلى أنه فتح عينيه على الدنيا ليجد نفسه بين أحجار السن منذ طفولته المبكرة. ويضيف: “موسم عيد الأضحى هو شريان الحياة السنوي للورشة؛ فالزحام يبدأ مبكراً ويتضاعف كلما اقتربت أيام العيد، حيث نستقبل يومياً مئات القطع من سكاكين، وسواطير، ومشارط، وخناجر، يعهد بها إلينا أصحابها لإعادتها إلى الخدمة”.
من جانبه، يؤكد شقيقه “حازم”—الذي انخرط في هذه الحرفة منذ سن التاسعة—أن الصنعة ليست مجرد حك معدن، بل هي هندسة ودقة شديدة؛ فكل أداة لها تقنية سن مغايرة تتبع الغرض منها، فالآلة المخصصة للذبح تختلف في درجة حدتها وزاوية سنها عن تلك الأدوات المخصصة للسلخ أو تقطيع اللحوم، كما أن زبائنهم لا يقتصرون على الجزارين، بل يقصدهم الحلاقون والترزية بانتظام لسن مقصاتهم وأدواتهم الدقيقة.
من الجهد البدني إلى المواتير الكهربائية.. وأحجار «شق الثعبان»
وعن تطور الحرفة، يستذكر حازم كيف كانت عملية السن قديماً تعتمد كلياً على الجهد العضلي، حيث كان حجر السن يُدار يدوياً أو بواسطة الأقدام في عملية مضنية تستغرق وقتاً طويلاً. أما اليوم، فقد دخلت المواتير الكهربائية خط الإنتاج لتنجز المهمة بدقة بالغة وفي غضون دقائق معدودة.
ويكشف الأشقاء عن سر جودة عملهم، موضحين أنهم يعتمدون على “أحجار سن مائية” يتم جلبها خصيصاً من منطقة “شق الثعبان” الشهيرة بالقاهرة، حيث يتم تشكيلها محلياً على هيئة أقراص دائرية متينة، تمتاز بعمرها الافتراضي الطويل الذي قد يتجاوز العام الكامل من العمل الشاق.
الأسعار في متناول الجميع.. وعيدان للعائلة
رغم دقة العمل ومخاطره، يؤكد “حاتم”—أصغر الأشقاء—أنه يعشق هذه المهنة ويرى فيها ملمحاً تراثياً يجب صونه، لافتاً إلى أن الورشة تفتح أبوابها أيضاً لربات البيوت اللواتي يحرصن على سن سكاكين المطبخ لتسهيل تحضير طعام العيد. وعن التكلفة، يشير إلى أن الأسعار تبدأ من 10 جنيهات فقط لسن السكين الكبير أو الساطور، وهي تعرفة مراعاة لظروف المواطنين ولضمان استمرار حركة البيع والشراء.
وفي زاوية أخرى من الورشة، يتولى الشقيق الرابع “طارق” إدارة شق تجاري مكمل، حيث يعرض تشكيلة متنوعة من السكاكين والسواطير الجديدة التي تتراوح أسعارها بين 50 و250 جنيهاً، وتتفاوت بناءً على خامة المعدن ومصدر التصنيع.
ويختتم عطا الكريم حديثه بابتسامة تملأ وجهه، مؤكداً أن فرحة العائلة هذا العام مضاعفة؛ إذ يستعد شقيقهم طارق لدخول عش الزوجية خلال الأيام القليلة التي تلي العيد، ليتحول هذا الموسم برواجه وبركته إلى “عيدين في وقت واحد” لأقدم عائلات السنانين في سوهاج.
