
كتب الدكتور شفيق جلال
إن التعلق المرضي بالكرسي ليس مجرد طمع في الامتيازات، ولكنه يعبر عن أزمة وجودية تعكس اضطراباً في بنية الذات، حيث يتحول المنصب من مجرد وظيفة يؤديها الفرد إلى ثوب ثانٍ لهويته، ودرع وهمي ، لسد فراغاً داخلياً عميقاً.
فالوجود على الكرسي في مخيلة عاشقه لا يعني “تأدية دور”، ولكنه يعني “الوجود ذاته”. ويتحول الكرسي لمرآة تعكس له صورته المكبرة، ويمنحه إحساساً زائفاً بالحصانة والخلود. هنا، تختلط السلطة بالكيان، فيصبح أي تحدٍ للمنصب هو اعتداء على الذات، وتصبح النرجسية هي المحرك الأساسي، حيث يُغذّي الكرسي الأنا المتورمة بجرعات يومية من الأهمية الذائفة. لإسكات صوت الوهن الداخلي.
ان ترك الكرسي، في لاوعي هؤلاء ليس مجرد تغيير مهني، ولكنه موت رمزي للذات. لأنه لحظة انكشاف قاسية، نتيجة انهيار الجدار الوهمي الذي تنهار معه كافة الادوات والوسائط التي كانت تمنحهم القيمة. فبعد الرحيل عن الكرسي ، يواجهون فراغاً رهيباً، وتحل محلها مشاعر الفقدان واللامعنى والاكتئاب، لأنهم كانوا موجودين “بسبب” المنصب، فلما ذهب المنصب، ذهب مبرر الوجود. هذا الخوف من “العدم” النفسي هو ما يدفعهم للتشبث بالكرسي حتى وإن كان الثمن هو التخلي عن الكرامة، فالسقوط من فوق العرش أهون عندهم من السقوط في هاوية النسيان.
إن المأساة الحقيقية أن الكرسي الذي يعتقدون أنه مصدر قوتهم، هو في حقيقته سجن نفسي يقيّد نموهم، فمن يخاف ترك المقعد لم يمتلكه حقاً، بل كان هو من امتلكه واستهلكه. والتحرر الحقيقي لا يتحقق بالتمسك، بل بإدراك أن القيمة الجوهرية تكمن في الجوهر الإنساني، لا في ارتفاع المقعد عن الأرض.
ان ما سبق يكشف عن تعلق البعض وحرصهم على تقديم أوراق مد الخدمة للعمل كمدرس. او العمل كمدرس بالحصة . فالراتب والعائد المادي ليس له قيمته بالمقارنة بالجانب النفسي في مرحلة الشيخوخة .
🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷🌷
دمتم بصحة نفسية طيبة.
