بقلم: محمّد عبد المعوّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تُحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
قضية رمضان صبحي… حين يدخل “البديل” لجنة الامتحان
لم تكن الواقعة الأخيرة – التي دخل فيها شخصٌ الامتحان بدلًا من اللاعب رمضان صبحي – مجرد مخالفة فردية، ولا حادثة يمكن طيّها بين الأحداث اليومية العابرة. ما حدث في الحقيقة كان صفعة قوية على وجه فكرة كاملة نمارسها منذ سنوات: فكرة أن التعليم ورقة تُقتنى، لا وعي يُبنى.
هذه الحادثة ليست عن رمضان بذاته، ولا عن الشخص الذي جلس مكانه، فالأسماء هنا مجرد تفاصيل على سطح مشهد أعمق بكثير. ما جرى هو تجسيد صريح لثقافة تنظر إلى الشهادة باعتبارها “إجراءً شكليًا”، يمكن استكماله بأي طريقة… ومهما كانت تلك الطريقة تهدم القيمة الأخلاقية للتعليم من جذورها.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس:
“كيف حدث هذا؟”
بل: “كيف أصبح ممكنًا؟”
كيف وصل بنا الحال إلى أن يُختزل الامتحان إلى حضور شكليّ؟ وأن يصبح النجاح قابلاً للنيابة؟ وأن يتحول المقعد الدراسي إلى مساحة فارغة تُشغل بأي “بديل” متاح؟
إن المجتمع الذي يسمح بتسلّل مثل هذه الممارسات إلى مؤسساته التعليمية، هو مجتمع يواجه خطرًا أكبر من سقوط طالب في خطأ: إنه خطر سقوط الفكرة ذاتها.
فالتعليم الذي لا يُبنى على الحضور الحقيقي، ينهار على الغياب الحقيقي.
ولا يمكن تجاهل أن هذه الواقعة قد كشفت خللًا قديمًا يتعمّق عامًا بعد عام: خلل النظر إلى التعليم كـ”وسيلة” لا “قيمة”، كجسر سريع لا رحلة معرفية، كمشهد اجتماعي لا بناء داخلي.
وعندما يصبح الهدف من التعليم هو الحصول على شهادة تُعلَّق على الجدار، وليس عقلًا يُضاء من الداخل، تصبح مثل هذه التجاوزات نتيجة طبيعية لا صدمة استثنائية.
أخطر ما في الحادثة ليس دخول شخص للامتحان بدلًا من صاحبه، بل أن البيئة سمحت، وأن الفكرة رُوِّجت، وأن التهاون أصبح احتمالًا واردًا.
وحين نسمح لأحد أن يُمتحَن بدلًا من آخر، فنحن نقول – من حيث لا ندري – إن الحضور الحقيقي لم يعد شرطًا، وإن العلم يمكن استبداله، وإن الوعي يمكن تأجيره لساعة واحدة داخل لجنة امتحان.
هذه ليست أزمة طالب، بل أزمة مجتمع. وليست خطيئة فرد، بل خطيئة فكرة. وليست حادثة تعليم… بل إنذار مستقبل.
إن احترام التعليم لا يكون بالشعارات، بل بالانضباط قبل الامتحان، وبالقيم قبل القوانين، وبالوعي قبل الشهادات. وكل حادثة تُظهر عكس ذلك يجب أن تُعامل بوصفها جرس إنذار لا ورقة خبر.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن يُواجه بشجاعة: هل نريد تعليمًا يغيّر الإنسان… أم شهادة تغيّر صورته؟
