
بقلم: محمد عبد المعوَّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
“الجيم القاهرية أم الفصحى الموحَّدة… من يملك الحقيقة؟”
ظهرت مؤخرًا تصريحات تقلّل من قدرة المصريين على التحدث بالفصحى، وتنتقد نطقهم لبعض الحروف، وعلى رأسها حرف الجيم، وكأن اختلاف النطق دليل على ضعف في العربية. لكن الحقيقة أن هذه الآراء تكشف قصورًا في معرفة تاريخ اللغة أكثر مما تكشف عن أي خلل عند المصريين.
مصر كانت وما زالت قلب الفصحى النابض، وموطن علوم اللغة وبلاغتها. فمنذ قرون طويلة، احتضنت مصر الأزهر الشريف، الذي مثّل منارةً للعالم الإسلامي كله، وقصده طلاب العلم من المشرق والمغرب لتعلّم العربية وعلومها. ومن أرض الكنانة انطلقت النهضة الأدبية الحديثة، وبرز أعلام خلدوا أسماءهم في سجل البيان العربي، مثل طه حسين، والعقاد، وأحمد شوقي، وغيرهم. بل إن صوت مصر في الدراما والإذاعة والمناهج التعليمية حمل الفصحى إلى كل بيت عربي، حتى صار المعلم الأول للأجيال.
أما ما يتعلق بنطق الجيم القاهرية، الذي يشبّهه البعض بحرف “چ”، فإن وصفه بالخطأ مخالف لشواهد لغوية قديمة. فقد أشار ابن جني في كتابه “الخصائص” إلى أن العرب اختلفوا في نطق الجيم، وأن بعض القبائل – مثل قضاعة وطيء – كانت تنطقها صوتًا شديدًا قريبًا من الجيم القاهرية اليوم. وكذلك ذكر سيبويه أن نطق الجيم ليس على وجه واحد عند العرب، وأن الاختلاف في مخارج الحروف أمر مألوف وفصيح.
والأمر لا يتوقف عند الماضي؛ فحتى اليوم، ما زالت بعض القبائل اليمنية الأصيلة – وهي من أصول العرب الأولى – تنطق الجيم القاهرية بنفس الصورة التي ينطقها المصريون، مما يؤكد أن هذا النطق قديم وأصيل، وليس تحريفًا كما يُظن.
ثم إن من ينتقد المصريين بدعوى البعد عن الفصحى يغفل حقيقة أن أهل الصعيد في مصر، ومعهم بعض محافظات الوجه البحري مثل الشرقية، ينطقون الجيم الفصيحة كما وردت في المعاجم القديمة، بالنطق ذاته الذي يفضّله المنتقدون. هذا يعني أن مصر وحدها تحتضن الوجهين معًا: الجيم القاهرية الأصيلة والجيم الفصيحة المعيارية، وهو دليل على ثراء لغوي وليس نقصًا.
ولو تأملنا اختلاف العرب في نطق حروف أخرى، كـ القاف والظاء والكاف، لوجدنا أن هذا التنوع ظاهرة طبيعية في لهجات العرب منذ الجاهلية. فكيف يُعَدُّ اختلاف المصريين في نطق الجيم “خطأً”، بينما يُحتفى بغيره على أنه غنى لغوي؟!
إن الفصحى أوسع من أن تُختزل في لهجة واحدة أو تُقاس بلسان فرد أو إقليم بعينه. إنها لغة جامعة استوعبت أوجهًا متعددة للنطق، وجعلت من التنوع مصدرًا للقوة لا سببًا للضعف. وما يعيب العربي ليس اختلاف لسانه، بل الجهل بجذور لغته والتعصب الضيق لرؤية واحدة.
المصريون كانوا وما زالوا حماة الفصحى وحراس بيانها، وأصواتهم في الإعلام والمناهج والأدب دليل لا يُنكر. والجيم القاهرية ستظل شاهدًا حيًّا على أن التنوع في العربية ثراء، وأن تاريخ هذه اللغة أرحب من أن يُختزل في نطق حرف أو لهجة بعينها.
