ابولبابة العيدودي..مدير مكتب مصر اليوم بتونس
في مدينة تورنتو الكندية، حيث تتجاور اللغات والثقافات والهويات، اختار الروائي والأستاذ التونسي المقيم في كندا كمال الرياحي أن يفتح نافذة جديدة للرواية العربية.
ومن خلال مشروعه الثقافي «بيت الخيال»، يسعى إلى منح الكتابة العربية فضاءً يتجاوز حدود الجغرافيا. كما يحاول أن يجعل الأدب جسراً حقيقياً بين الضفتين.
بيت الخيال.. فكرة تتجاوز حدود المكان
يقوم «بيت الخيال» على فكرة تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالات واسعة. فالرواية العربية قادرة على أن تجد لنفسها بيتاً خارج العالم العربي.
كذلك يستطيع المبدع العربي أن يحمل لغته وخياله وأسئلته إلى مدن العالم، من دون أن يفقد صلته بجذوره.
ومن هذا المنطلق، لا ينظر كمال الرياحي إلى الرواية باعتبارها نصاً أدبياً يُكتب ثم يُقرأ فقط. بل يتعامل معها باعتبارها مساحة للحوار، ووسيلة لاكتشاف الإنسان، ومجالاً للتفاعل بين الثقافات.
الرواية العربية تلتقي بجمهور جديد
تكتسب تجربة «بيت الخيال» أهميتها من قدرتها على تجاوز فكرة الاحتفاء بالرواية أو نشرها.
فالمشروع يفتح المجال أمام الأدب العربي ليحضر في المشهد الثقافي الكندي والدولي. ويتم ذلك من خلال اللقاءات والحوارات والأنشطة التي تجعل الرواية العربية مدخلاً للتعارف والحوار.
وفي تورنتو، تبدو الفكرة منسجمة مع طبيعة المدينة متعددة الثقافات.
فعندما تلتقي الرواية العربية بجمهور يعيش بين لغات وثقافات مختلفة، فإنها لا تعود مجرد أدب قادم من بعيد. بل تتحول إلى صوت إنساني يطرح أسئلة يتشارك فيها البشر، مهما اختلفت أوطانهم.
ومن بين هذه الأسئلة تأتي الذاكرة والهجرة والهوية والحب والوطن والمنفى والبحث عن الإنسان.
من تونس والقاهرة إلى تورنتو
ما يميز تجربة كمال الرياحي أيضاً أنها تنطلق من الرواية العربية باعتبارها ذاكرة حية للمجتمعات العربية.
فالرواية ليست منتجاً ثقافياً محصوراً في جغرافيا محددة. إنها قادرة على مغادرة تونس والقاهرة وبيروت والجزائر والرباط، لتصل إلى مونتريال وتورنتو وباريس ولندن ونيويورك.
واللافت أن انتقال الرواية إلى فضاءات جديدة لا يعني بالضرورة فقدانها نكهتها الأولى. على العكس، قد يمنحها جمهوراً جديداً وقراءات مختلفة وأسئلة لم تكن مطروحة من قبل.
وهنا تتجلى قيمة «بيت الخيال» بوصفه مشروعاً ثقافياً يحمل بعداً عربياً ودولياً في الوقت نفسه.
إنه بيت للكاتب والقارئ، وللنص والحوار، وللخيال الذي لا تعترف حدوده بجوازات السفر.
الأدب العربي أمام سؤال الهجرة
أصبحت الهجرة العربية جزءاً من المشهد الثقافي العالمي. ومعها وجد الأدباء العرب المقيمون خارج أوطانهم أنفسهم أمام سؤال مهم:
كيف يحافظ المبدع على صلته بجذور الإبداع العربي، وفي الوقت نفسه يفتح أمامه أبواب العالم؟
يأتي «بيت الخيال» كإجابة ثقافية عن هذا السؤال.
فالمشروع لا يضع الثقافة العربية خلف جدران مغلقة، وإنما يفتح لها مساحة للتواصل مع الآخر. كما يمنح الرواية فرصة لأن تدخل في حوار مع تجارب إنسانية وثقافية مختلفة.
تورنتو.. مدينة تفتح أبوابها للخيال
إذا كانت المدن تُعرف أحياناً بمعالمها العمرانية، فإن المدن الثقافية تُعرف أيضاً بالأفكار التي يولدها أبناؤها والمقيمون فيها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «بيت الخيال» باعتباره مساحة للحضور العربي في المشهد الثقافي بتورنتو.
هناك تلتقي الرواية العربية بالخيال الكندي والعالمي. ويجد القارئ فرصة لاكتشاف نصوص وتجارب تنتمي إلى ثقافة مختلفة، لكنها تحمل في جوهرها أسئلة إنسانية مشتركة.
الرواية.. جسر بين الضفتين
تؤكد تجربة كمال الرياحي أن الثقافة العربية لا تحتاج إلى جدران تحمي هويتها بقدر حاجتها إلى جسور تصل بها إلى الآخرين.
وفي زمن تتسع فيه المسافات بين الشعوب، تظل الرواية قادرة على اختصار الطريق.
فصفحة واحدة قد تفتح باباً إلى وطن. وشخصية روائية قد تجعل قارئاً في أقصى الشمال يشعر بالقرب من إنسان يعيش في أقصى الجنوب.
وهكذا يبدو «بيت الخيال» في تورنتو أكثر من مجرد عنوان ثقافي.
إنه فكرة عن الأدب العربي حين يهاجر من دون أن يغترب. وعن الكاتب حين يحمل وطنه في لغته. وعن الخيال حين يتحول إلى جسر يصل تونس بالعالم.
كمال الرياحي.. من تونس إلى تورنتو، ومن الرواية إلى فضاء أرحب؛ بيتٌ للخيال، ونافذةٌ مفتوحة للرواية العربية على العالم.

