قبل نحو 780 عاماً (وتحديداً في منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي)، شهدت منظومة الحج تحولاً تاريخياً جذرياً؛ فمع سقوط بغداد وتراجع الدرب العراقي، وتأسيس دولة المماليك في مصر، تحولت القاهرة إلى المركز الرئيسي لإدارة وتنظيم قوافل الحج في العالم الإسلامي، وغدت شبه جزيرة سيناء الشريان البري الأهم لربط مصر بالحجاز عبر ما عُرف بـ “درب الحج الساحلي السينائي”.
إليك كيف أدارت الدولة المصرية تلك القوافل العظيمة لوجستياً وعسكرياً:
1. إعمار وتأمين الطريق (درب الحاج الساحلي)
بدأت الإدارة الفعلية بتأمين الممر البري الذي يقطع سيناء من السويس حتى العقبة؛ حيث قام السلاطين (بدءاً من الظاهر بيبرس ووصولاً إلى الغوري) بـ:
بناء القلاع والحصون: أُنشئت القلاع لتأمين الحجاج وحماية المؤن، وأبرزها قلعة نخل في وسط سيناء (التي جددها السلطان الغوري لاحقاً) لتكون مقراً للجنود ومحطة رئيسية للقافلة، بالإضافة إلى قلعة العقبة.
تأمين مصادر المياه: حُفرت الآبار الكبرى، وشُيدت البرك والخزانات الضخمة لتجميع مياه الأمطار في المحطات السينائية (مثل: عجرود، نخل، وأيلة/العقبة) لضمان سقاية آلاف الحجاج والجمال.
2. مؤسسة “أمير الحج” والقيادة العسكرية
لم تكن القافلة تتحرك عشوائياً، بل كانت تُدار بموجب مرسوم سلطاني صارم:
تعيين أمير الحج: كان يُختار من كبار القادة العسكريين (الأمراء المماليك)، ويتمتع بصلاحيات شبه مطلقة لإدارة القافلة قضائياً وإدارياً.
الحراسة المسلحة: كانت راية السلطان تتقدم القافلة، يرافقها جيش مصغر من الفرسان والجنود لحماية الحجاج من قطاع الطرق وشيوخ القبائل الذين حاولوا أحياناً فرض إتاوات.
شراء الولاءات: اتبعت الدولة سياسة “الصرة”؛ وهي أموال ورواتب ومؤن عينية كانت تُوزع على شيوخ قبائل سيناء والحجاز لضمان تأمينهم للطريق وتقديم الدعم للقافلة بدلاً من مهاجمتها.
3. خروج “المحمل المصري” والكسوة
كانت رحلة الحج تبدأ باحتفال رسمي مهيب في القاهرة يُعرف بـ “دوران المحمل”، حيث يُطاف بهيكل خشبي مزين يحمل كسوة الكعبة المشرفة المصنوعة في دور الطراز المصرية، لينطلق بعد ذلك الموكب رسمياً متوجهاً عبر صحراء سيناء في رحلة تستغرق نحو 30 إلى 40 يوماً.
4. المنظومة اللوجستية والطبية
ديوان الحج: كانت هناك دفاتر رسمية لتسجيل أسماء الحجاج، والجمال المشاركة، وتوزيع المؤن.
المرافق الطبية والخدمية: كان يرافق القافلة طبيب (كحال) وصيدلي، وأطباء بيطريون لعلاج الدواب، فضلاً عن القضاة والمفتين للفصل في المنازعات وتلقين الحجاج مناسكهم، ومؤذن لتحديد أوقات الصلاة.
