كتب – محمود الهندي
يواصل الأزهر الشريف حملته التوعوية «وعي»، التي تستهدف تصحيح المفاهيم المغلوطة وتفنيد الأفكار غير الدقيقة.
وتهدف الحملة إلى الرد على الشبهات التي تثار حول الإسلام وأحكامه وسيرة النبي محمد ﷺ، من خلال طرح علمي يستند إلى الأدلة الشرعية واللغوية.
حملة «وعي» توضح حقيقة الطلاق مرتين
وفي أحدث حلقات حملة «وعي»، أوضح الدكتور محمد عماد الخولي، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية وعضو وحدة «وعي»، حقيقة المقصود بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
وأكد أن الآية لا تعني وقوع الطلاق الواحد على مرحلتين، موضحًا أن هذا التصور ناتج عن الخلط بين أحكام الطلاق والإيلاء والعدة.
وأشار إلى أن لكل حكم من هذه الأحكام طبيعته وضوابطه الخاصة، ولذلك لا يصح دمجها في حكم واحد أو اعتبار المدد الواردة فيها مراحل لوقوع الطلاق.
وأكد الدكتور محمد الخولي أن معنى الطلاق مرتان يجب أن يُفهم في سياقه الشرعي واللغوي الصحيح.
ما الفرق بين الإيلاء والطلاق؟
وبيّن عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن الإيلاء يختلف عن الطلاق في المفهوم والحكم.
فالإيلاء في اللغة هو اليمين، أما في الاصطلاح الشرعي فهو حلف الزوج على ترك جماع زوجته مدة معينة.
وعالج القرآن الكريم هذه الحالة بما يرفع الضرر عن المرأة، وجعل للزوج مهلة أربعة أشهر.
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وأوضح الدكتور محمد الخولي أن هذه المدة تمنح الزوج فرصة للتأني وإعادة النظر في استمرار الحياة الزوجية.
فإما أن يعود إلى زوجته، وإما أن يعزم على الطلاق، ولذلك لا تمثل هذه المدة مرحلة من مراحل وقوع الطلاق.
معنى «الطلاق مرتان» في القرآن الكريم
وأوضح الدكتور محمد الخولي أنه إذا تعذر الإصلاح واستمر الضرر، واختار الزوج الطلاق، فإنه يوقع طلقة واحدة.
ويكون له حق مراجعة زوجته خلال عدتها وفق الأحكام الشرعية المنظمة لذلك.
فإذا عادت الحياة الزوجية ثم تجدد الخلاف، جاز له إيقاع طلقة ثانية، وله كذلك أن يراجع زوجته خلال عدتها.
ويوضح ذلك معنى قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
وبذلك، فإن المقصود هو وقوع الطلاق مرتين، مع وجود فرصة للرجعة بعد كل طلقة وفق الأحكام الشرعية.
وليس المقصود أن الطلاق الواحد يقع على مرحلتين منفصلتين.
الفرق بين «المرة» و«المرحلة»
وأشار عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية إلى أن تفسير «مرتان» بمعنى «مرحلتان» لا يستقيم من الناحية اللغوية.
وأوضح أن «المرة» تدل على وقوع الفعل مرة واحدة، بينما تشير «المرحلة» إلى جزء من مسار أو رحلة ممتدة.
وضرب مثالًا على ذلك بأن الإنسان قد يسافر إلى بلد مرة واحدة، رغم أن الرحلة نفسها تمر بعدة مراحل.
ومن ثم، لا يصح تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ بمعنى «الطلاق على مرحلتين»، لأن اللفظ القرآني يدل على وقوع الطلاق مرتين.
ماذا يحدث بعد الطلقة الثالثة؟
وأضاف الدكتور محمد الخولي أن الزوج إذا أوقع الطلقة الثالثة بعد الطلقتين السابقتين، بانت منه زوجته بينونة كبرى.
ولا تحل له بعد ذلك حتى تتزوج زوجًا غيره زواجًا صحيحًا، ثم تنتهي هذه الزوجية على الوجه المشروع.
وتأتي هذه الأحكام ضمن منظومة تشريعية تنظم العلاقة الزوجية، وتراعي حالات الخلاف والرجعة والعدة.
كما تسهم هذه الأحكام في منع الخلط بين المصطلحات الشرعية المختلفة، وتوضح طبيعة كل حكم وضوابطه.
الأزهر يحذر من التلاعب بأحكام الطلاق
واختتم عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالتأكيد على أن أحكام الطلاق والإيلاء والعدة وردت في القرآن الكريم، وبيّنتها سنة النبي ﷺ.
كما تناول العلماء والفقهاء هذه الأحكام بالشرح والتفصيل، بما يوضح ضوابط كل حكم وطبيعته.
وشدد على ضرورة التعامل مع هذه الأحكام باعتبارها من حدود الله التي لا يجوز التلاعب بها أو تحريف معانيها.
واستشهد بقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وتأتي الحلقة الجديدة من برنامج «وعي» ضمن الجهود التوعوية لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الأحكام الإسلامية.
كما تهدف إلى توضيح دلالات النصوص الشرعية، والتأكيد على أهمية الرجوع إلى أهل العلم المتخصصين.
