
لا يعرف كثيرون أن للأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ إسهامات في مجال المسرح تتمثل في سبعة نصوص مسرحية قصيرة كتبها من فصل واحد، وجمع عددا منها في مجموعته القصصيه “تحت المظلة”. ويؤكد صاحب نوبل أن المسرح أسهم في تشكيله وجدانيًا، وكان مصدرًا مهمًا من مصادر الثقافة والمعرفة مع الرواية والشعر.
والنصوص المسرحية السبعة التي كتبها محفوظ هى “الشيطان يعظ”، “الجبل”، “يحيي ويميت”، “تركة”، “النجاة”، “مشروع للمناقشة”، “االمهمة”. وفي حوار له نشرته مجلة المسرح بعدد نوفمبر/تشرين الثاني 1979، قال محفوظ “علاقتي بالمسرح كمشاهد علاقة قديمة جدا، ففي سن الطفولة حضرت بصحبة أبي بعض تمثيليات الريحاني والكسار، وبدءا من سنة 1925 عرفت الطريق إلى روض الفرج، وكان حافلا بمقلدي الريحاني والكسار وشاهدت كثيرا من المسرحيات التي كانوا يقدمونها في أزمنة سابقة أثناء الحرب العظمي في 1914 وبعد ذلك عرفنا طريقنا إلى المسرح المصري في الثلاثينيات”.
وبالرغم من أن أعمال نجيب محفوظ المسرحية لا تقل أهمية عن أعماله الروائية والقصصية، لكنها لم تحظ بنفس القدر من البحث النقدى والاهتمام الجماهيرى الذى لاقته بقية أعماله الأدبية، ويرجع النقاد هذا الأمر إلى سببين:
♦️ السبب الأول .. أن نجيب محفوظ طرق باب المسرح بعد كتابة 23 عملا أدبيا ما بين القصة القصيرة والرواية، ويعتبر البعض تلك الخطوة تأخرت إذا ما قورنت بزمن ظهور محفوظ الذى كان حافلا بالكتابات المسرحية المتنوعة.
♦️ السبب الثانى .. أن نجيب محفوظ لم يصدر كتابا خاصا بالمسرحيات بل جاءت كتاباته المسرحية ضمن مجموعات قصصية متفرقة، الأمر الذى نتج عنه أيضا عدم دقة حول عدد المسرحيات التى زعم البعض كونها 6 أعمال فقط، والبعض الآخر ضاعف الرقم إلى 12 عملا.
بدأت رحلة نجيب محفوظ فى عالم الكتابة المسرحية عام 1967، حين صدرت مجموعته القصصية الشهيرة «تحت المظلة»، التى احتضنت بين طياتها خمس مسرحيات، اكتسبت شهرتها فى بداية الأمر من تاريخ إصدارها، حين كتبت بعض الآراء النقدية أن ما تحمله المسرحيات كان إسقاطًا على هزيمتنا فى 5 يونيو 1967.
هذا رأى قد يحالفه الصواب، ولكن من خلال القراءات التالية لتلك الأعمال، نجد أنفسنا أمام حقيقة واحدة: أن كتابات محفوظ تصلح لكل زمان لأنها معنية دائما وأبدا بالإنسان، ويعد هذا أحد أسرار أعمال محفوظ الأدبية التى تتجدد مع كل قراءة لها، فهو لم يكتب أبدا لمرحلة بعينها.
1 – يميت ويحيى.. التباهى بالنصر ورغبة الانتقام
تدور أحداث مسرحية «يميت ويحيى»، حول فتى يعانى آلام الجسد وهزيمة النفس، تجلس بجانبه فتاة تحاول أن تهدأ من روعه وتخفف آلامه، وتقنعه بفكرة التسامح، لكنه يرفض أن ينعم بملذات الحياة بينما من سَبَبّله الجراح يتباهى منتصرًا.
تستمر مناجاة الفتاة دون جدوى، وينضم إلى المشهد رجل ذو هوية مجهولة يحاول أن يقنع الفتى بالصلح، ويتفق كل منهم على هدف واحد؛ أن يتراجع الفتى عن فكرة الانتقام.
لا ينصت الفتى سوى لصوت الطبيب الذى جاء به الكاتب كناية عن صوت العقل والضمير ليقف من خلال حوار طويل بينهم على أسباب عامة للهزيمة أمام الأعداء أيا كان نوعهم.
ثم يضع الطبيب أمام الفتى حقيقة أنه لا يملك سوى طريق واحد إذا كان حقا يريد أن يقف بعد هذا السقوط؛ وهو أن يكف عن التباكى على أمجاد الراحلين، فالماضى ذهب برجاله ولن يعود، ولن ينقذه أحد سوى نفسه، إذا تدارك أخطاءه وأيقن أن تاريخ الأجداد فى حياته لا يتعدى كونه جذور وأصول تثبت أقدامه على الأرض وتدعم حقه فى الحياة.
2- التركة.. تغيير الوجوه
ثم يذهب بنا الكاتب إلى حكاية أخرى فى مسرحية «التركة»، لنجد أنفسنا فى منزل قديم أمام ابن عاق حضر فى اللحظات الأخيرة لوداع والده المريض، لكنه فى حقيقة الأمر جاء للحصول على التركة التى تنقسم إلى مبلغ من المال وبعض الكتب القديمة.
وبالفعل يحصل على ثروة المال، لكنه سرعان ما يفقدها بسبب حيلة من أحد الرجال، فلا يبقى له فى نهاية الأمر سوى البيت القديم والكتب.
يعود الرجل مرة أخرى بعد فترة من الزمن بهيئة أخرى ووظيفة مرموقة ويعرض على الابن شراء المنزل، ليبدأ التساؤل المحير كيف يتجرأ هذا الرجل أن يشترى المنزل بمال سرقه فى الماضي؟! وما هذا التغيير المفاجئ؟ كيف يتحول لص الأمس إلى صاحب سلطة اليوم؟ وهل تنفى عنه سلطته جريمته السابقة؟! ليعبر محفوظ من خلال تلك التساؤلات أن الوجوه قد تتغير بمرور الزمن لكن يظل المضمون واحدا.
ثم يعود الكاتب سنوات إلى الماضى ليقف على أسباب عقوق الابن لوالده، وهى أن هذا الأب كان مجرد دجال اتخذ من الكتب التراثية ما يدعم حجته فى النصب على المتلهفين لقضاء حوائجهم من خلال قوى خفية.
هرب الابن لكى لا يرث تلك المهنة، وإذا به وقد أصبح الآن يمتلك خمارة، طريقة أخرى للاحتيال، فيتحول الأب والابن إلى وجهين لذات العملة، وهى حالة يعبر من خلالها الكاتب عن حقيقة الإنسان حين ينشغل بانتقاد أخطاء الآخرين دون العمل على تجنبها؛ حتى يجد نفسه وصل إلى نفس المصير، فى نهاية الأمر ورث الابن التركة التى هجر منزله لسنوات هربا منها!
3- النجاة.. والبحث عن حلول
رجل يجلس وحيدا فى منزله وإذا بامرأة تطرق بابه هاربة من جريمة ما، يدخلها إلى المنزل لتبدأ أحداث مسرحية «النجاة» من خلال حوار بين الرجل والمرأة يناقش الكاتب من خلاله ذلك الصراع الأبدى بين الجنسين.
المرأة لا يشغلها شيء سوى حماية الرجل لها حتى ولو كان غريبا عنها دون أن يعرف الأسباب، أما الرجل مشغول بما تخفيه من أسرار، تجد المرأة نفسها ملاحقة من جميع الجهات.
نكتشف بمرور الأحداث أن العالم الخارجى الذى تحاول المرأة الهروب منه، هو المجتمع حين يلقى على عاتقها مسئولية أى خلل يصيبه، ويضاعف الرجل من معاناتها بمساعدته المشروطة بتساؤلات تزيد حمولها ثقلا.
فى مسرح محفوظ يتحرك الرجل لإنقاذ المرأة ولكن بعد فوات الأوان، ومع إسدال الستار على الأحداث نكتشف أن ما حدث يعتبر جزءا من طبيعتنا الإنسانية، التى تنشغل بالجدال ومناقشة الأسباب والبحث عن ضحية نحملها الجريمة، متجاهلين أهمية البحث عن حلول، لذلك سيظل الإنسان يكررالأخطاء ذاتها ويفقد الطريق إلى النجاة.
4 – الفن ومشروع للمناقشة
فى هذا العمل ينتقل بنا الكاتب إلى كواليس المسرح، من خلال اجتماع لمن يضعون أسس العمل الفنى:«فنان، فنانة، مخرج، ناقد، والمؤلف» يختلف هذا الفريق حول المسرحية الجديدة التى يكتبها المؤلف، وحين يعترض يتقاذفون فيما بينهم الاتهامات، ويقلل كل منهم من شأن الآخر، لنكتشف فى نهاية الأمر أن كواليس المسرح ما هى إلا كواليس الحياة.
5 – المهمة.. العدل أم الرحمة؟
هذه المسرحية تصلح أن تكون نهاية للمسرحيات السابقة، مصير كل شخصية من أبطالها، تدور أحداثها حول شاب أسندت إليه مهمة ما أنشغل عنها بلقاء فتاة يحبها، ورجل يلاحقه كظله أينما ذهب.
فى نهاية اليوم، يبقى الشاب بمفرده يعانى الخوف وتسيطر عليه آلام تمنعه من الحركة، حتى ذلك الرجل الذى طالما وعده بالمساعدة رحل دون أن يلقى عليه نظرة، فيدرك أن لحظة الحساب التى سرعان ما تتحول إلى عقاب قد حانت، ليعبر الكاتب من خلاله عن الإنسان حين تشغله مظاهر الحياة ومطامعها عن حقيقة وجوده ومهمته الأبدية بأن يعمل جاهدا كى تستقيم الحياة، ولا يكتفى بذلك يتجاهل الإشارات التى تنبه بأن هناك خطأ، ليجد نفسه وحيدا فى محطته الأخيرة لن يستطيع النجاة بالرحمة أو العدل فمن العدل أن سلوكه لا يستحق الرحمة!
المطاردة.. وصراع اليقين والشك
وفى عام 1973 عاد نجيب محفوظ مرة أخرى إلى عالم المسرح فى مجموعته القصصية «الجريمة» بمسرحية واحدة بعنوان «المطاردة».
يفتح الستار وإذا بـ«أبيض وأحمر» وهم أبطال الرواية أطلق عليهم محفوظ هذه الأسماء لما تحمل من دلالة رمزية وإشارة إلى عملة واحدة هى الإنسان بوجهيه الخير والشر، اليقين والشك، الإيمان والكفر، الرضا والطمع.
يظهر الاثنان فى بداية المسرحية طفلان يحاولان الهرب من أجل اللهو بعيدا عن رجل دائما يتبعهم، لا يتحدث معهم لكنه يقف دائما على مقربة منهم يضرب بسوطه الأرض يحدث ضجة وصوت يفزعهم، و تختلف مراحل حياتهم من الطفولة إلى الشباب ثم الرجولة وفى كل مرحلة يقف هذا الرجل يؤدى نفس الدور، ينخرطون أكثر فى الحياة ظنا منهم أنه عدو قد يسهو عنهم، لكنه يظل أقرب ما يكون منهم، صوته مازال يحتفظ بقوته وطرقعة السوط الذى يحمله تحدث نفس الصوت المدوى الذى ينذر بشيء ما يتهربون منه ويدعون أنهم يجهلونه.
وتستمر حياتهم على هذا المنوال لنكتشف بنهاية الأمر أن هذا الرجل هو الزمن، العمر الذى نتجاهل أنه أيام تمر لا يمكن الهرب منها تلاحقك أينما كنت، تظن أنك تسرق منها الحياة ولكن فى حقيقة الأمر هى التى تسرقك، وفى النهاية يظل هو الوحيد الذى لا تملك أمامه حيلة لا فكاك من براثنه مهما حاولت أن تتجاهل حقيقة وجوده.
أهم ما يميز هذا العمل المسرحى أنه كان بداية تحرر نجيب محفوظ من الإطار المعروف للكتابة المسرحية، والتقرب أكثر إلى عالمه الروائى، ففيه يعرض جميع وجهات النظر ثم تنتهى بخلاصة تلك النقاشات التى ترسى قواعد حكمة أو درس من دروس الحياة.
الجبل..والخلاص من الفتوات
وفى عام 1979 كانت التجربة الأخيرة لمحفوظ فى عالم المسرح حين صدرت مجموعة قصصية بعنوان «الشيطان يعظ» تحتضن بين طياتها مسرحيتين.
المسرحية الأولى بعنوان «الجبل» وكانت المرة الأولى التى ينقل فيها محفوظ الحارة المصرية إلى المسرح، تدور أحداث الرواية حول مجموعة من الشباب قرروا أن يخلصوا الحارة من طغيان الفتوات وأن ينفذوا ذلك بأيديهم بطريقة واحدة وهى القتل.
فآووا إلى الجبل فى الليل يقتلون كل يوم رجل حتى اعتادوا الحكاية وبدأ كل منهم يطلق الأحكام ويأتى بأحد الرجال يريد الخلاص منه وفقا لأهواء شخصية، فاختلفت المجموعة ونقضوا العهود فيما بينهم، ليعبر من خلالهم الكاتب عن اختلال موازين العدل وإطلاق الحكام وفق للهوى دون الرجوع لقانون فتعم الفوضى ويدفع الثمن أصحاب هذا المبدأ!
الشيطان يعظ.. وحكايات ألف ليلة وليلة.
فى المسرحية الثانية ينقل نجيب محفوظ المزيد من الخيال إلى مسرحه، ويأتى بالتاريخ إلى خشبة المسرح، حين استوحى موضوع المسرحية من حكاية مدينة النحاس التى كانت ضمن حكايات الكتاب التراثى الشهير ألف ليلة وليلة.
تدور أحداث المسرحية عن ملك أراد أن يزيد من طغيانه بأن يمتلك مفاتيح الغيب فأمر رجاله أن يأتوا له بجن يسخره لخدمته، بالفعل ينجح الرجال فى مهمتهم ولكنهم يتورطون فى رحلة إلى الماضي!
يطرح محفوظ من خلالها خلافا أبديا.. هل نستطيع حقا تصحيح أخطاء الماضى حتى لو استطعنا العودة إليه؟! أم أنها مجرد فكرة عبثية نعلق عليها ضعفنا أمام الحاضر؟!
ثم ينتهى إلى حكمة نهائية أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذى يغتر بحدود قوته وإمكانياته، حتى الجن والشياطين يدركون حدود قوتهم، ويترك محفوظ القارئ فى نهاية الأحداث مع صوت الجن يعلن حقيقة أخرى غائبة عن الإنسان وهى أن من يحكم بالإيمان فلا حاجة به إلى شيطان.
