
كتب: محمود أبو مسلم
بينما تنتظر آلاف الأسر المصرية خروج “قانون الأحوال الشخصية الجديد” إلى النور، لا تزال المسودات المسربة والنقاشات الدائرة في الصالونات الحقوقية والبرلمانية تثير عاصفة من الجدل. ففي الوقت الذي تهدف فيه الدولة إلى وضع تشريع “عصري” ينهي صراعات المحاكم، يرى منتقدون أن بعض البنود المقترحة قد تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتخلق أزمات اجتماعية جديدة بدلاً من حلها.
أزمة “الأهلية”.. المرأة بين الوصاية والاستقلال
تتصدر قضية “الولاية” قائمة الانتقادات الموجهة لمشروع القانون. ففي الوقت الذي تعول فيه ملايين الأسر على النساء كمعيلات أساسيات، يرى حقوقيون أن المسودة لا تزال تتعامل مع المرأة باعتبارها “ناقصة الأهلية” في مسائل عقد الزواج؛ حيث تُمنح الولاية للرجل في تزويج المرأة، وهو ما اعتبرته منظمات نسوية إهانة لمكانة المرأة المعاصرة وتجاهلاً لدورها الاجتماعي والاقتصادي المحوري.
الحضانة والاستضافة.. صراع “البيوت” ينتقل للمحاكم
رغم محاولة القانون إدخال مفهوم “الاستضافة” (حق مبيت الطفل لدى الطرف غير الحاضن) كبديل لـ “الرؤية” التقليدية، إلا أن هذا البند يواجه مخاوف جمة:
مخاوف الخطف: يخشى الطرف الحاضن (الأم غالباً) من استغلال “الاستضافة” لتهريب المحضون أو السفر به للخارج، خاصة مع ضعف آليات الرقابة الفورية.
ترتيب الحضانة: ما زال الجدل مستمراً حول ترتيب الأب في الحضانة (المركز الرابع في بعض المقترحات)؛ حيث يرى الآباء أن هذا الترتيب يقصيهم عن حياة أبنائهم، بينما تخشى الأمهات من انتقال الحضانة المباشر للأب في حال زواج الأم، مما قد يدفع النساء للبقاء في علاقات مسيئة أو اللجوء للزواج “العرفي” للحفاظ على أطفالهن.
الثغرات الاقتصادية.. “النفقة” والكد والسعاية
رغم الحديث عن “صندوق تأمين الأسرة”، إلا أن العيوب المسجلة في هذا الجانب تشمل:
صعوبة إثبات الدخل: لا يزال القانون يضع عبء إثبات دخل الزوج الحقيقي على عاتق الزوجة، وهو أمر شبه مستحيل في حالات المهن الحرة والقطاع غير الرسمي.
إغفال “الكد والسعاية”: يطالب الكثيرون بتقنين حق الزوجة في ثروة زوجها التي تكونت أثناء الزواج (مبدأ الكد والسعاية)، وهو ما يراه البعض غائباً أو غير مفعل بشكل يضمن العدالة للمرأة التي أفنت عمرها في بناء الكيان الأسري.
الولاية التعليمية.. ساحة تصفية الحسابات
من أبرز العيوب التي يشير إليها المتخصصون هو تحول “الولاية التعليمية” إلى سلاح للانتقام. فرغم منحها للحاضن، إلا أن الثغرات الإجرائية قد تمكن الطرف الآخر من عرقلة مسيرة الطفل التعليمية، مثل محاولات نقل الطفل من مدرسة خاصة إلى تجريبية كوسيلة للضغط المادي أو النفسي على الطرف الآخر.
تعدد الزوجات.. تنظيم أم شرعنة؟
انتقد البعض غياب نصوص حاسمة تجرم عدم إخطار الزوجة الأولى بالزواج الثاني بشكل قطعي، أو تجعل الطلاق “بيد القاضي” حصراً لضمان حصول الزوجة على حقوقها كاملة قبل وقوع الانفصال، مما يترك الباب مفتوحاً أمام “الطلاق الغيابي” وضياع الحقوق لسنوات في أروقة المحاكم.
خاتمة: هل ينجح الحوار المجتمعي؟
إن العيوب المثارة حول قانون الأسرة الجديد ليست مجرد خلافات قانونية، بل هي صرخة من واقع أليم تعيشه أروقة المحاكم يومياً. يظل السؤال قائماً: هل ستستجيب اللجنة التشريعية لهذه الانتقادات لتقديم قانون “متوازن” يحمي الطفل أولاً، ويحفظ كرامة المرأة، وينصف الأب الملتزم؟ أم سنظل ندور في حلقة مفرغة من التشريعات التي تعالج “العرض” وتترك “المرض”؟
