
بقلم: محمد عبد المعوّض الجلّادي
حين تُراجِع الدولةُ نفسَها: الانتخابات بين النزاهة واحترام صوت الناخب
في لحظات فارقة من عمر الأمم، لا يعود السؤال: من فاز؟ بل: كيف فاز؟
وهذا تحديدًا ما وضعه قرار رئيس الجمهورية تحت الضوء حين وجّه بمتابعة ما شاب الانتخابات البرلمانية في بعض الدوائر، وإحالة الأمر إلى الهيئة الوطنية العليا للانتخابات لمراجعة دقيقة وشفافة.
خطوة لم تكن تجميلية، بل رسالة بأن شرعية المؤسسات تقوم على نزاهة الطريق لا على شكل النتيجة.
وقد انتهت المراجعات الرسمية إلى إلغاء نتائج 19 دائرة في سبع محافظات، وهو قرار غير مسبوق في حجمه ودلالته.
إلغاء يشير بوضوح إلى أن الدولة لا تقبل بناء مؤسساتها على نتائج ملتبسة أو فاصلة بتأثيرات لا علاقة لها بإرادة الناس.
وعند قراءة تفاصيل ما جرى، تتضح مشكلة المال السياسي التي تمددت خلال العملية الانتخابية، لتشوّه التنافس وتميل بكفته نحو الإنفاق لا نحو البرامج والأفكار.
حين يتحول الصوت الانتخابي إلى “قابلية للشراء”، يتحول البرلمان نفسه إلى امتياز مالي لا تمثيل شعبي، وتفقد العملية برمتها معناها الأخلاقي والوطني.
وهنا يصبح السؤال الأعمق:
هل الأزمة في الوقائع؟ أم في البيئة السياسية والثقافية التي سمحت لها أن تحدث؟
فالانتخابات ليست حدثًا موسميًا، بل اختبارًا لنضج المجتمع السياسي.
ومواجهة المال السياسي لا تكون بالإلغاء وحده، بل ببناء ثقافة ترى في شراء الأصوات عارًا لا “حيلة انتخابية”، وبقوانين ورقابة تمنع تسييل إرادة الناخبين أو استغلالهم.
وفي خضم هذا المشهد، برزت خطوة الرئيس عبد الفتاح السيسي بتوجيهه لمتابعة ما شاب العملية الانتخابية، وترك مراجعتها للهيئة الوطنية بوصفها خطوة تُحتسب للدولة واحترامها لنزاهة المسار.
وهي خطوة تُذكَر لأنها أعادت الانضباط للمشهد، وأكدت أن صوت المواطن فوق أي نفوذ أو مال سياسي.
ومع ذلك، يبقى الإصلاح الحقيقي سابقًا ليوم الاقتراع، بثقافة سياسية ورقابة وقوانين تُعيد للانتخابات معناها وللمواطن مكانته كفاعل لا كأداة.
ثمّة فرق هائل بين دولة تُخفي عيوبها ودولة تواجهها.
وما حدث في الأيام الماضية يشير إلى أن الدولة اختارت الطريق الأصعب والأصح – طريق الاعتراف بالخلل ثم إصلاحه، لا تغطيته أو تمريره.
وهذا ما يرسّخ قاعدة ينبغي ألّا تُنسى:
الديمقراطية لا تكتمل بمجرد وجود الصندوق، بل بنزاهة الطريق إليه.
