
الحب ليس بطل هذه الحكاية
لم أكتب “من بعيد… حتى أصبحت الحياة” لأضيف رواية جديدة إلى الرف، ولا لأدخل سباق “أجمل قصة حب”، بل لأقول شيئًا واحدًا بوضوح مؤلم: إن الحياة لا تُقاس بما نملكه، بل بما نتحمله دون أن ننكسر. هذه الرواية لم تولد من فكرة أدبية، بل من مسافة حقيقية عشتها، من انتظار طال أكثر مما يجب، ومن يقين متأخر بأن بعض الأحلام لا تخذلنا، نحن فقط نصل إليها بعد أن نُستنزف.
كتبتها وأنا أعرف أنها لن تُرضي القارئ المستعجل، ولا ذاك الذي يبحث عن حبٍ خفيف يمرّ دون أثر. هي رواية عن البُعد حين لا يكون اختيارًا، وعن الحب حين يتحول من وعدٍ بالنجاة إلى اختبار أخلاقي قاسٍ: ماذا نفعل حين نحب، لكن الظروف أقوى؟ هل نتمسك أم ننسحب؟ وهل الصبر فضيلة دائمًا، أم قد يكون شكلًا آخر من أشكال الخسارة؟
في هذه الرواية لم أراهن على الحدث، بل على الزمن. على التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، لكنها تصنع الإنسان من الداخل. الغياب، الرسائل التي لم تُكتب، القرارات المؤجلة، واللحظات التي تبدو عادية لكنها تترك شقوقًا لا تُرى. أردت أن يكون السرد صادقًا لا جميلًا فقط، وأن تكون اللغة فصحى قريبة، لا متزينة ولا متعالية، لأن الألم الحقيقي لا يحتاج إلى بلاغة زائدة.
“من بعيد… حتى أصبحت الحياة” ليست رواية انتصار، ولا بيانًا رومانسيًا. هي اعتراف طويل بأن بعض النهايات لا تُشبه ما تمنيناه، لكنها تُشبه ما نستحقه من نضج. لم أُبرئ أبطالي، ولم أُدينهم، لأنني أعرف أن الإنسان في لحظة الاختيار يكون دائمًا ناقص الرؤية، مثقلًا بالخوف، ويحاول النجاة بما تبقى من نفسه.
هذه ليست رواية تُقرأ لتُنسى، ولا لتُقتبس منها جمل جميلة فحسب. هي رواية لمن عاش البُعد، لمن أحبّ وهو يعرف أن الطريق ليس ممهدًا، ولمن أدرك متأخرًا أن الحياة لا تبدأ حين نصل، بل حين نتوقف عن الهروب من حقيقتها.
أكتب عنها اليوم لا لأطلب إعجابًا، بل لأضعها في مكانها الطبيعي: نصٌّ صادق في زمن يفضل الزيف، وبوحٌ هادئ في عالم يصرخ. ومن يراها قاسية، فليعلم أن الحقيقة غالبًا لا تُربّت على الكتف.
