منذ إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية، انشغل الجميع بسؤال يبدو بديهيًا: من فاز؟ ومن سيشكل الحكومة؟ لكن هذا هو السؤال الخطأ. فمن يعرف إسرائيل من الداخل يدرك أن صناديق الاقتراع هناك ليست أداة تغيير، بل أداة إدارة: إدارة الصراع لا حله، وإدارة الانقسام الداخلي لا تجاوزه.
الانتخابات الإسرائيلية.. من يملك مفاتيح تشكيل الحكومة؟
لنبدأ من الأرقام. أظهرت النتائج تقاربًا شديدًا؛ إذ حصل معسكر نتنياهو على قرابة خمسين مقعدًا، بينما حصل معسكر المعارضة على 52 أو 53 مقعدًا، دون وصول أي منهما إلى الستين. وأصبحت الأحزاب العربية، التي حصلت على نحو 17 مقعدًا، القوة الحاسمة، لكن الأحزاب الصهيونية من الجانبين ترفض التعاون معها.
ونتيجة لذلك، قد تستمر المفاوضات طويلًا وبصعوبة، مع احتمال بقاء نتنياهو رئيسًا لحكومة تصريف أعمال. هنا يظن القارئ العادي أن هناك فرصة للتغيير، لكن هذا الوهم يبدأ بالتساقط عند النظر إلى طبيعة السياسة الإسرائيلية.
سياسة الاستيطان.. اتفاق يتجاوز الخلافات الحزبية
السؤال الحقيقي ليس من يفوز، بل من يملك القدرة على تغيير السياسة الاستيطانية. وهنا تظهر حقيقة مزعجة: الأحزاب الإسرائيلية الرئيسية، بما فيها أحزاب الوسط والمعارضة، لا تختلف جوهريًا عن الليكود في قضية الاستيطان.
فآيزنكوت يدعم تعزيز الكتل الاستيطانية وبناء مستوطنات جديدة، كما يدعم بقاء المستوطنات في المنطقة C التي تضم زهاء 500 ألف مستوطن. أما ليبرمان وبينيت، فيعارضان إقامة دولة فلسطينية ويدعمان ضم أجزاء من الضفة الغربية.
وبذلك، لا يمثل الوسط الإسرائيلي بديلًا عن اليمين في ملف الاستيطان، بل يقدم نسخة أكثر تمويهًا. فبينما يعلن نتنياهو وسموتريتش وبن غفير أهدافهم بصراحة، يفضّل آخرون تعزيز الوقائع على الأرض مع الحفاظ على صورة أفضل أمام المجتمع الدولي.
الناخب الإسرائيلي.. تغيير الوجوه أم تغيير السياسات؟
الشارع الإسرائيلي يقرأ هذه المعادلة بوضوح. فمن يصوّت لنتنياهو لا يجهل ما يفعله، بل يراه ضمانة لاستمرار سياساته.
أما من يصوّت لخصومه، فلا يفعل ذلك بالضرورة لأنهم أكثر ليونة تجاه الفلسطينيين، بل لأنه يرى فيهم قدرة أفضل على إدارة الدولة دون إغضاب العالم أكثر من اللازم.
وهنا تتضح المفارقة: خطاب السلام قد يكون موسميًا، لكن ما يبقى على الأرض هو البناء والطرق والمستوطنات. لذلك، لا يعني تغيير الحكومة بالضرورة تغيير السياسة تجاه الفلسطينيين.
تصاعد الاستيطان وإعادة تشكيل جغرافيا الضفة
إذا كانت الأحزاب الرئيسية متفقة على الاستيطان، فلماذا تتصاعد وتيرته بدلًا من أن تستقر؟ تكمن الإجابة في أن غياب الخلاف الداخلي الحقيقي يسمح بالتصعيد دون دفع ثمن سياسي كبير.
فقد أعلن سموتريتش بناء ما يقرب من 60 ألف وحدة استيطانية خلال ثلاث سنوات، كما دفع باتجاه ضخ آلاف الوحدات في منطقة E1 لقطع الاتصال بين القدس ومعاليه أدوميم.
وفي الوقت نفسه، يطالب بن غفير علنًا بضم الضفة الغربية وتفكيك السلطة الفلسطينية. كذلك يدفع سموتريتش نحو نقل المناطق A وB إلى المنطقة C، بما يعني عمليًا إلغاء ترتيبات أوسلو.
هذه ليست تصريحات هامشية، بل خطوات تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا على الأرض. ويجري ذلك بغطاء حكومي، في ظل غياب معارضة مؤثرة داخل الائتلاف تتحمل ثمن التصدي لهذه السياسات.
من رابين إلى نتنياهو.. لماذا يتعثر التغيير؟
لكن السؤال الأهم هو: لماذا لا يحدث التغيير أصلًا؟ تكمن الإجابة في أن ما يجري اليوم ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلة بدأت منذ قيام إسرائيل.
فقد حاول رابين تغيير الوجهة، لا الطريق فقط، لكنه دفع حياته ثمنًا لذلك. أما من جاءوا بعده، من بيريز وأولمرت إلى نتنياهو، فقد ظلوا داخل المسار نفسه. قيّد الائتلاف بيريز، وانتهت خطة أولمرت مع استقالته، بينما أطاح نتنياهو بأي أمل في حل الدولتين رغم اتفاقيات إبراهيم.
ويمتد هذا المسار من بيجن إلى شارون ومائير، ثم يعود إلى نتنياهو الذي حوّل حرب غزة، بعد السابع من أكتوبر، إلى أداة لتعزيز السيطرة على الأرض، عبر القصف والتدمير والتهجير والتجويع واستخدام المساعدات سلاحًا.
وما يجمع هذه المراحل، وفق رؤية الكاتب، أن معاناة الأبرياء لم تكن نتيجة عرضية، بل ارتبطت بقرارات سياسية اتُخذت عن وعي.
الانتخابات الإسرائيلية.. هل يتغير المسار أم تتغير الوجوه؟
الخلاصة أن الانتخابات لن تغيّر السياسة الاستيطانية بسهولة؛ لأن التغيير الحقيقي يتطلب إرادة سياسية لا تملكها أي حكومة إسرائيلية حاليًا، وفق رؤية الكاتب.
وما يمكن أن يتغير هو الأسلوب فقط: إعلان صريح يثير غضب المجتمع الدولي، أو تعزيز هادئ للوقائع على الأرض يحافظ على مساحة للمناورة الدبلوماسية.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا هو: إذا كانت كل الانتخابات تؤدي إلى الوجهة نفسها، فما معنى أن يصوّت الإسرائيليون أصلًا؟
ربما تكون الإجابة أن التصويت لم يعد وسيلة لاختيار طريق جديد، بل لاختيار من يدير الطريق نفسه.
