بقلم: أبولبابة العيدودي
مدير مكتب مصر اليوم بتونس
يمثل زيت الزيتون التونسي ثروة اقتصادية مهمة، بفضل جودته وارتباطه بالهوية الزراعية والتراث المحلي. لكن امتلاك منتج متميز لا يكفي وحده لتحقيق عائد اقتصادي كبير. فالتسويق الجيد، والتعبئة الحديثة، وفتح أسواق جديدة، عناصر ضرورية لتحويل الإنتاج إلى قيمة مضافة.
وتبرز هذه المعادلة بوضوح في مهرجان زيت الزيتون بتبرسق، الذي يمتلك فرصة حقيقية لدعم المنتج المحلي. ومع ذلك، فإن أثر المهرجان يظل مرتبطًا بقدرته على تجاوز الفعاليات الموسمية، والتحول إلى مشروع اقتصادي وسياحي متكامل.
زيت الزيتون بتبرسق.. جودة تستحق انتشارًا أوسع
يحظى زيت الزيتون في منطقة تبرسق بمكانة مميزة، مستفيدًا من الظروف الطبيعية التي تسهم في تشكيل خصائصه. وتشمل هذه الظروف طبيعة التربة، وارتفاع المناطق الزراعية، ومعدلات الأمطار، إلى جانب العوامل المناخية المؤثرة في نمو أشجار الزيتون.
وتضم المنطقة أصنافًا محلية مهمة، من بينها الشيتوي والجرابوي. كما ترتبط هوية المنتج بخصائص حسية ومكونات كيميائية تمنحه تميزًا في الأسواق.
وحصل زيت الزيتون بالمنطقة على تسمية منشأ محمية عام 2018، وفق المعلومات الواردة في المقال الأصلي. ويمنح هذا الاعتراف المنتج فرصة أكبر لتعزيز هويته التجارية، شريطة توظيفه بفاعلية في الترويج والتصدير.
الإنتاج الكبير لا يضمن عائدًا اقتصاديًا أكبر
تملك تونس إمكانات واسعة في إنتاج زيت الزيتون وتصديره. وتشير تقديرات متداولة لموسم 2025–2026 إلى حجم إنتاج يقترب من 500 ألف طن، مع ضرورة الرجوع إلى البيانات الرسمية لتأكيد الرقم النهائي.
لكن التحدي لا يتعلق بحجم الإنتاج وحده. فجزء من الصادرات يُطرح في صورة زيت سائب، وهو ما قد يقلل فرص الاستفادة من عمليات التعبئة والتغليف وبناء العلامات التجارية.
لذلك، يحتاج المنتج التونسي إلى استراتيجية تسويقية ترفع قيمته في الأسواق الخارجية. ويشمل ذلك تطوير العبوات، وتحسين الهوية البصرية، وتقديم معلومات واضحة عن المنشأ والجودة، فضلًا عن الوصول المباشر إلى المستهلكين والموزعين.
مهرجان زيت الزيتون بتبرسق يحتاج إلى رؤية مختلفة
تمثل الدورة العاشرة للمهرجان، التي أقيمت عام 2025، محطة مهمة في الترويج للمنتجات المحلية والحرف والأنشطة الثقافية. ومع ذلك، فإن نجاح المهرجان لا ينبغي أن يُقاس بعدد الفعاليات أو أيام الاحتفال فقط.
الأهم هو ما يحققه الحدث من فرص بيع وتعاقدات وشراكات جديدة. ويمكن تنظيم جلسات تذوق متخصصة، ومسابقات للجودة، ولقاءات تجمع المنتجين بالمصدرين والموزعين.
كذلك، يمكن استثمار المهرجان في تعريف الزوار بمراحل إنتاج الزيت، وإبراز قصص المزارعين، وربط المنتج بالمطبخ التونسي والتراث المحلي. ومن شأن هذه الخطوات أن تمنح الزائر تجربة متكاملة، بدلًا من الاكتفاء بشراء المنتج خلال أيام محدودة.
التسويق الرقمي والسياحة يفتحان أبوابًا جديدة
يحتاج تطوير المهرجان إلى حضور رقمي مستمر طوال العام. ويمكن تحقيق ذلك من خلال منصة إلكترونية متعددة اللغات تعرض المنتجين، وتوضح خصائص الزيت، وتتيح التواصل مع المشترين، وتدعم التسويق عبر الإنترنت.
ومن ناحية أخرى، تستطيع تبرسق الاستفادة من السياحة الزراعية. فتنظيم زيارات إلى مزارع الزيتون، وجولات داخل وحدات الإنتاج، وتجارب تذوق للزوار، يمكن أن يخلق مصادر دخل إضافية للسكان المحليين.
كما أن إنتاج مواد وثائقية قصيرة عن المنطقة ومزارعيها يساعد على بناء صورة تسويقية أقوى. ويصبح المهرجان بذلك بوابة للتعريف بالمنتج والمنطقة معًا، وليس مناسبة موسمية تنتهي بانتهاء فعالياتها.
من احتفال موسمي إلى مشروع اقتصادي متكامل
يتطلب النجاح تعاون المنتجين والجهات المحلية والمؤسسات المعنية بالتصدير والسياحة. كما يحتاج إلى أهداف قابلة للقياس، مثل زيادة المبيعات، وتوسيع قاعدة العملاء، وفتح أسواق جديدة، ورفع نسبة المنتجات المعبأة ذات القيمة المضافة.
وفي النهاية، تمتلك تبرسق مقومات مهمة لبناء تجربة ناجحة تجمع بين الزراعة والتسويق والسياحة. لكن الاستفادة من هذه المقومات تتطلب رؤية تتجاوز تنظيم المهرجان إلى صناعة مشروع مستدام.
ويبقى السؤال: هل تتحول الدورة المقبلة إلى نقطة انطلاق لخطة اقتصادية متكاملة تجعل زيت الزيتون التونسي أكثر حضورًا في الأسواق، وتمنح المنطقة عائدًا أكبر من ثروتها المحلية؟
