جلّاد الحقيقة
بقلم: محمد عبد المعوَّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة
البكالوريا.. لا تحفظوا التفكير!
منذ خمسة عشر عامًا، أدرّس اللغة العربية في البكالوريا الدولية. لذلك، عندما قرأت منهجية البكالوريا الجديدة في مصر، لم أشعر أنني أمام فلسفة تعليمية غريبة.
فالمنهجية في جوهرها مألوفة لدي. الطالب يقرأ ويفهم، ثم يحلل ويناقش ويقيّم ويبني رأيًا. والغاية في النهاية أن نعلّمه كيف يفكر، لا ماذا يحفظ.
لكن الدراسة لم تبدأ بعد. ومع ذلك، بدأت ملامح مشكلة تستحق الانتباه.
فعند متابعة عدد من فيديوهات الشرح المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وما يقدمه بعض معلمي الدروس الخصوصية والمنصات التعليمية، تظهر محاولات لإعادة المنهج الجديد إلى القالب القديم.
نجد تحليلًا جاهزًا، وإجابة جاهزة، وصياغات محفوظة. كما يبدأ البحث عما ينبغي للطالب أن يكتبه في كل نوع من الأسئلة.
وكأن السؤال الذي حكم تعليمنا سنوات طويلة ما زال حاضرًا: ماذا يجب أن يحفظ الطالب؟
عندما يتحول التفكير إلى إجابة محفوظة
المثير للقلق أن بعض الكتب الخارجية المشهورة، التي تمتلك اسمًا ووزنًا في سوق التعليم، وقعت هي الأخرى في الفخ نفسه.
فالإجابات والنماذج الجاهزة ما زالت تحتل مساحة أكبر مما ينبغي.
ونموذج الإجابة في ذاته ليس المشكلة. فالفرق كبير بين نموذج نستخدمه لنكشف للطالب كيف بُنيت الإجابة ولماذا كانت جيدة، وبين نموذج يتحول إلى نص آخر يستظهره الطالب ثم يستدعيه في الامتحان.
هنا تحديدًا تبدأ المشكلة.
فالطالب لا يتعلم التفكير، وإنما يتعلم شكل الإجابة.
البكالوريا لا تحتاج إلى طالب يحفظ النص
الطالب في هذه المنهجية لا ينبغي أن يعرف النص الذي سيأتي في الامتحان.
بل يجب أن يعرف كيف يتعامل مع أي نص يأتي.
ولا يحتاج الطالب إلى رأي محفوظ لكل قضية. وإنما يحتاج إلى القدرة على بناء رأيه، وإقامة حجته، واختيار دليله، ثم الدفاع عن موقفه.
هنا تكمن المهارة.
وهنا تحديدًا تختلف فلسفة البكالوريا عن ثقافة السؤال والإجابة النموذجية.
هل نعيد إنتاج التعليم القديم؟
المفارقة أن المنهج جاء ليبتعد بالطالب عن سطوة الحفظ.
لكننا قد نبدأ، قبل أن تبدأ الدراسة أصلًا، في البحث عن وسائل جديدة لتحويل التفكير نفسه إلى مادة للحفظ.
فإذا أصبح لكل سؤال تحليل محفوظ، ولكل قضية رأي جاهز، ولكل نوع من الأسئلة قالب محدد، فما الذي تغير؟
ربما تغير شكل المنهج فقط.
أما طريقة التفكير، فقد تظل كما كانت.
الكتب والمنصات أمام مسؤولية كبيرة
لا يمكن تحميل المعلم وحده مسؤولية طريقة تقديم المنهج.
فالكتب الخارجية والمنصات التعليمية لها دور مهم أيضًا في تشكيل طريقة تعامل الطالب مع البكالوريا.
ولهذا، فإن المطلوب ليس إلغاء النماذج التعليمية، وإنما تغيير طريقة استخدامها.
يمكن للنموذج أن يشرح للطالب خطوات التفكير. ويمكنه أن يوضح كيفية بناء الحجة واختيار الدليل.
لكن لا ينبغي أن يتحول إلى إجابة محفوظة ينتظر الطالب سؤالًا مشابهًا حتى يكتبها.
لا تحكموا على البكالوريا قبل بدء التجربة
ما زال الوقت مبكرًا للحكم على تجربة لم تدخل الفصول الدراسية بعد.
لكن ما يقدم للطلاب الآن يستحق الانتباه؛ لأن البداية الخطأ قد تجعلنا نحاكم المنهج لاحقًا على نتائج طريقة لم يكن مبنيًا عليها من الأساس.
فإذا دخل الطالب البكالوريا محملًا بالقوالب والإجابات الجاهزة، ثم تعثرت التجربة، فلا ينبغي أن نسارع إلى اتهام المنهج بالفشل.
علينا أولًا أن نسأل: هل طبقنا فلسفة البكالوريا فعلًا؟
أم أننا قدمنا النظام الجديد بأدوات التعليم القديم؟
جلّاد الحقيقة.. لا تحفظوا التفكير!
إذا كنا نريد طالبًا قادرًا على القراءة والتحليل والنقد وبناء الرأي، فعلينا أن نمنحه فرصة حقيقية لممارسة هذه المهارات.
فالطالب الذي يتعلم التفكير يستطيع التعامل مع نص جديد وسؤال جديد وموقف جديد.
أما الطالب الذي يحفظ إجابة جاهزة، فقد ينجح فقط عندما يأتي السؤال قريبًا مما حفظه.
وهنا تصبح مسؤوليتنا أكبر من مجرد شرح المنهج.
علينا أن نحافظ على فلسفته.
فربما لم نفشل في تطبيق البكالوريا…
بل نجحنا في أخذ الحفظ القديم، وإلباسه ثوبًا جديدًا.
