جلّاد الحقيقة
بقلم: محمّد عبد المعوّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تُحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
نمرٌ في المدرسة
في خطبة الجمعة قبل أسبوعين، كان الحديث عن التنمر في المدارس، ذلك الضيف الثقيل الذي يعرف طريقه إلى مدارسنا كل عام، وإن اختلفت أشكاله وأسماؤه.
وقد أجاد الخطيب وهو يتناول القضية، لكن أكثر ما استوقفني طريقته في الربط بين التنمر والنمر. ربط بسيط في ظاهره، لكنه ظل عالقًا في ذهني بعد انتهاء الخطبة.
وبينما نحن على أبواب عام دراسي جديد، والبيوت تستعد بالحقائب والدفاتر والملابس، فكرت أن هناك استعدادًا آخر أهم بكثير. علينا أن نتأكد قبل أن يدخل أبناؤنا المدرسة أن واحدًا منهم لن يدخلها فريسة، ولن يدخلها آخر نمرًا.
فالمتنمّر يشبه النمر حين يبحث عن الأضعف. يراقب اختلافًا صغيرًا في زميله ثم ينقض عليه: وزن زائد، أو قصر، أو لون بشرة، أو لهجة مختلفة، أو نظارة، أو ملابس أقل ثمنًا، أو حتى اسم يصلح لأن يتحول إلى نكتة.
غير أنني كلما تأملت تشبيه الخطيب، شعرت بأننا ربما نظلم النمر نفسه. فالنمر حين يفترس يفعل ذلك ليعيش، أما الإنسان فقد يضع أنيابه داخل كلمة، ويجرح إنسانًا آخر، ثم يضحك ويقول في براءة مصطنعة: «كنت أمزح!».
جراح التنمر لا تظهر دائمًا
الأخطر أن جراح التنمر لا تظهر دائمًا. قد يعود الطفل من المدرسة بلا كدمة في وجهه ولا جرح في جسده. يحمل حقيبته كما حملها في الصباح.
تسأله أمه: «كيف كان يومك؟»، فيجيب: «جيد»، ثم يدخل غرفته.
لكن ليس كل طفل عاد سالم الجسد قد عاد بخير. فقد يترك في المدرسة كل يوم جزءًا من ثقته بنفسه، حتى يأتي يوم لا يريد فيه العودة إليها أصلًا.
ولا ينبغي أن نحمّل المتنمّر المسؤولية وحده. فنحن الكبار قد نساعد أحيانًا في تربية هذا النمر الصغير.
نفعل ذلك عندما نضحك على سخريته لأنها خفيفة الظل، أو نطلب من الضحية أن «يكون أقوى»، أو ندافع عن أبنائنا دفاعًا أعمى حين نكتشف أنهم يؤذون غيرهم.
كما يشارك المتفرجون أيضًا في صنعه. فالمتنمّر يحتاج إلى جمهور، وأحيانًا تكون ضحكات الزملاء هي الطعام الذي يعيش عليه.
ليس كل خلاف بين الأطفال تنمرًا
وليس كل خلاف بين طفلين تنمرًا، ولا ينبغي أن نربي أبناءنا على الهشاشة والخوف من كل كلمة.
هناك فرق بين مشاجرة عابرة وبين إيذاء مقصود ومتكرر. وهناك فرق بين طفلين يختلفان اليوم ويتصالحان غدًا، وطفل يعرف كل صباح أن هناك من ينتظره ليسخر منه أو يهينه أو يستبعده.
كما أن النمر اليوم لم يعد يسكن المدرسة وحدها. فقد أصبح يستطيع العودة مع الطفل إلى بيته عبر هاتفه، في صورة ساخرة، أو تعليق جارح، أو مقطع متداول، أو مجموعة إلكترونية لا ينتهي فيها اليوم الدراسي أبدًا.
التنمر الإلكتروني يلاحق الطفل إلى المنزل
لهذا، أصبح التنمر الإلكتروني وجهًا آخر للمشكلة. فالطفل قد يغادر المدرسة، لكنه لا يغادر دائمًا دائرة الإساءة.
قد تصله صورة ساخرة على هاتفه، أو تعليق جارح، أو مقطع متداول، أو يجد نفسه داخل مجموعة إلكترونية تتحول إلى مساحة للسخرية والإيذاء.
وهكذا لم يعد اليوم الدراسي ينتهي بمجرد مغادرة بوابة المدرسة. فقد يستمر الأذى داخل المنزل، وفي الوقت الذي يفترض أن يشعر فيه الطفل بالأمان.
كيف نحمي أبناءنا من التنمر؟
لهذا، ونحن نستعد لعام دراسي جديد، ربما علينا أن نضيف إلى أسئلتنا المعتادة سؤالًا لا يقل أهمية عن سؤال الدرجات والواجبات.
لا نسأل أبناءنا فقط: «هل يضايقك أحد؟».
بل نسأل أيضًا: «هل تضايق أنت أحدًا؟ هل هناك زميل تضحكون عليه؟».
فنحن لا نريد لأبنائنا فقط ألا يكونوا فرائس. نريد كذلك ألا يصبحوا نمورًا، وألا يقفوا ضمن الجمهور الذي يصفق للنمر وهو ينقض على غيره.
وصية تسبق الدرجات والواجبات
في صباح أول يوم دراسي، سنقول لأبنائنا كعادتنا: اجتهدوا، وانتبهوا إلى معلميكم، وحافظوا على أغراضكم، وحققوا أفضل الدرجات.
لكن ربما تستحق وصية واحدة أن تسبق كل ذلك: لا تؤذوا أحدًا.
فالدرجة السيئة يمكن تعويضها، والقلم المفقود يمكن شراء غيره. أما كلمة قيلت لطفل أمام زملائه، فقد يحتاج إلى سنوات حتى يتخلص من أثرها.
عندما يصبح الإنسان نمرًا
خرجت من خطبة الجمعة وأنا معجب بذلك الربط بين التنمر والنمر.
ثم وجدتني، بعد التفكير، أعتذر إلى النمر عن المقارنة.
فالنمر يفترس حين يجوع، أما الإنسان وحده فقد يفترس إنسانًا آخر… كي يضحك.
