أنا عطشان قصيدة تستحضر صيف تونس 2026، وتحوّل العطش إلى صورة شعرية تحمل بين سطورها الماء والمطر والأمل.
أنا عطشان…
ليس إلى الماء؛ فالماء هذا الصيف
هرب من الكؤوس،
واختبأ في خرائط الغيم.
ومع ذلك، أنا عطشان
إلى شجرةٍ لم تحترق في الذاكرة،
وإلى نافذةٍ تفتحها الريح
ولا يغلقها آبٌ غاضب.
صيف تونس 2026
صيفُ تونسَ 2026
كان يمشي حافيًا فوق رؤوسنا،
ويضع الشمس في جيبه
ثم يضحك…
وكلما قلنا:
«غدًا تمطر»،
ابتلع الغدُ لسانه
ورحل.
وفي «أنا عطشان»، لا يصبح الماء مجرد حاجة، بل يتحول إلى حلم تنتظره الأرض والإنسان
في الليل، كانت الأرض
تفتح فمها
وتسأل النجوم:
أين الماء؟
حينها تسقط نجمةٌ
في بئرٍ جافة،
وتقول للبئر:
«أنا أيضًا عطشانة».
حتى البحر صار عطشانًا
أنا عطشان إلى وطن
حتى البحر
صار يشرب منّا،
بينما أصبح الموج
يطلب موجةً
لينجو من الموج.
أما النخيل،
فقد رفع يديه إلى السماء
كأنّه يصلّي،
لكن السماء
كانت منشغلةً
بتسخين الفراغ.
شمس صيف 2026
في صيف 2026،
كانت الشمس
موظفًا بلا عطلة،
تختم جباهنا
بختمٍ من نار،
ثم تقول للمدن:
«اصبروا…
فأنا لم أبدأ بعد».
وهكذا جاء الصيف
ليجعل العرقَ لغةً ثانية،
ويجعل الظلَّ
عملةً نادرة.
وفوق ذلك، جعلنا نبحث عن قطرة
كما يبحث شاعرٌ
عن كلمةٍ لم تولد.
أنا عطشان إلى وطن
أنا عطشان…
لكنني لا أريد كأسًا فقط؛
بل أريد وطنًا
تجري في شرايينه المياه،
وحلمًا
لا يحتاج إلى مكيف،
وغدًا
لا تشتعل فيه النوافذ.
ومن بين كل الأمنيات،
أريد غيمةً
تخطئ طريقها إلى الصحراء،
فتسقط فوق تونس
وتعتذر للأرض.
أريد مطرًا يعيد الحياة
أريد مطرًا
ينزل بلا موعد،
فيوقظ الأرصفة،
ويغسل وجه البحر،
ثم يعيد للتراب
رائحة أمه.
الغيمة لم تمت
أنا عطشان…
ومن شدة عطشي،
بدأتُ أشرب من ظلي،
فوجدتُ فيه
طفلًا صغيرًا
يركض خلف غيمة…
وحين وصل إليها،
استيقظتُ.
هنا يعود معنى «أنا عطشان» من جديد؛ فالعطش لم يعد إلى الماء وحده، بل إلى الأمل أيضًا.
كان الصيف ما يزال هنا،
والسماء بلا ماء،
ومع ذلك كان الطفل
يبتسم.
قلت له:
لماذا تبتسم؟
فقال:
لأن الغيمة
لم تمت…
إنها فقط
تتعلم كيف تعود.
وفي النهاية، ظللتُ أردد:
أنا عطشان…
لكنني ما زلت أؤمن
أن الغيمة ستعود.
