حين تُدار الأزمات بتغيير المواعيد
لسنا أمام أزمة خبز بقدر ما نحن أمام أزمة إدارة. فكلما ظهرت مشكلة تمسّ حياة الناس اليومية، كان الحل الأسهل هو تحريك الساعة بدل إصلاح الخلل. يُغيَّر موعد صرف الخبز، فتُقدَّم الخطوة على أنها علاج، بينما الحقيقة أنها مجرد نقل للمعاناة من وقت إلى آخر.
القضية ليست الخامسة صباحًا ولا السابعة، بل في غياب التنظيم وسوء إدارة منظومة تمسّ أبسط حقوق المواطنين. العامل الذي يبدأ يومه مبكرًا، والطالب المرتبط بموعد دراسي صارم، والأسرة التي تعتمد على توقيت محدد لتدبير يومها، جميعهم يدفعون ثمن قرار لم يُبنَ على فهم الواقع الاجتماعي، بل على افتراضات مكتبية بعيدة عن الشارع.
ما يحدث يعكس نمطًا متكررًا في إدارة الشأن العام: معالجة النتائج بدل الأسباب. فالطوابير لا تنشأ بسبب التوقيت، وإنما بسبب ضعف الرقابة، وسوء توزيع الحصص، وغياب المحاسبة سواء للموظف المقصّر أو لصاحب المخبز المخالف. ومع ذلك، يُترك جوهر المشكلة كما هو، ويُطلب من المواطن أن يتكيّف مرة أخرى.
الحل ليس معقدًا، ولا يحتاج قرارات استثنائية، بل إرادة تنظيم. أول هذه الحلول هو تنظيم عملية الصرف على فترات مرنة، بحيث يُخصَّص لكل شريحة زمن مناسب: فترة مبكرة للعمال وأصحاب المهن الصباحية، وفترة لاحقة لبقية المواطنين، بدل حشر الجميع في ساعة واحدة. ثانيها الرقابة الفعلية اليومية على المخابز، لا الرقابة الورقية، مع إعلان واضح لنتائج التفتيش والعقوبات، حتى يدرك الجميع أن التلاعب لم يعد بلا ثمن.
كذلك، يمكن إعادة توزيع حصص الخبز وفق الكثافة السكانية الفعلية، لا الأرقام القديمة، مع مراجعة دورية للحصص في المناطق التي تشهد ضغطًا مستمرًا. ويجب أن يُرافق ذلك محاسبة حقيقية للمخطئ، سواء كان موظفًا يتغاضى، أو صاحب مخبز يستفيد، لأن أي منظومة بلا محاسبة تتحول تلقائيًا إلى عبء على المواطن.
الأهم من ذلك كله، هو إشراك الواقع في القرار. لا يجوز اتخاذ قرارات تمسّ حياة ملايين الناس دون الاستماع لمن يقفون في الطوابير فعليًا. استطلاع بسيط، تجربة محدودة، أو حتى زيارة ميدانية كفيلة بكشف ما تعجز عنه التقارير.
العدالة الاجتماعية لا تُقاس بحسن النية، بل بالأثر الفعلي. وأي قرار، مهما بدا منطقيًا على الورق، يفقد شرعيته حين يضع المواطن أمام خيار مستحيل: لقمة العيش أو الالتزام بعمله ودراسته. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير المواعيد، بل بتغيير طريقة التفكير، وإدارة الأزمات باعتبارها شأنًا إنسانيًا قبل أن تكون مسألة تنظيمية.
