
كتب كرم من الله السيد
أكد فضيلة الدكتور رمضان عبد الصاوي، نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه البحري، أن حاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بتراثها العلمي الأصيل، وأن مجدها ونهضتها إنما يقومان على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما نتج عنهما عبر العصور من جهود علمية ثرية في مختلف مجالات المعرفة، مشيرًا إلى أن كل عصر يشهد قراءة علمية متجددة لكتاب الله تعالى تكشف عن معانٍ ودلالات جديدة، وتؤكد خلود القرآن الكريم وصلاحيته لكل زمان ومكان.
جاء ذلك خلال كلمته في افتتاح أعمال المؤتمر العلمي الدولي الثاني الذي تنظمه كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بطنطا، بعنوان «القراءات القرآنية والتكامل المعرفي بين علوم اللغة والشريعة.. جهود مؤسسية وبحثية»، بحضور فضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، واللواء الدكتور علاء عبد المعطي، محافظ الغربية، وفضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الدايم الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، والعميد أركان حرب، وائل محمد فتحي، المستشار العسكري لمحافظة الغربية، والأستاذ الدكتور أحمد عبد المرضي سيد أحمد، عميد الكلية ورئيس المؤتمر وفضيلة الدكتور حمدي سعد، عميد كلية الشريعة والقانون بطنطا ، إلى جانب لفيف من عمداء الكليات، وأعضاء هيئة التدريس، والقيادات التنفيذية والإدارية بجامعة الأزهر ومحافظة الغربية.
وأوضح نائب رئيس الجامعة أن القراءات القرآنية تمثل أحد أبرز مظاهر الإعجاز في كتاب الله تعالى؛ لما تحمله من تنوع في الدلالات واتساع في المعاني والأحكام الشرعية، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، مبينًا أن قراءة ﴿وأرجُلَكم﴾ بالنصب أفادت وجوب غسل الرجلين، بينما جاءت قراءة ﴿وأرجِلِكم﴾ بالجر أفادت المسح بما يثري الدلالة الفقهية وفق ما قرره علماء القراءات والتفسير والفقه.
كما استشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3]، موضحًا أن اختلاف أوجه القراءة يفتح آفاقًا أوسع لفهم النص القرآني في ضوء القواعد اللغوية وأصول التفسير، بما يعكس ثراء القرآن الكريم وإعجازه البياني.
وأشار فضيلته إلى أن مسيرة التفسير لم تتوقف عند جهود السلف من الصحابة والتابعين، ولا عند كبار المفسرين أمثال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل بن سليمان، ثم الإمام الطبري، والقرطبي، والزمخشري، وابن كثير، بل تواصلت مع علماء العصر الحديث، ومنهم الإمام محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ عبد الكريم الخطيب، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والإمام الدكتور محمد سيد طنطاوي، الذين أعادوا قراءة النص القرآني في ضوء مستجدات العصر، مع الالتزام بثوابت الشريعة وأصول التفسير.
وأضاف أن التطور العلمي الحديث أسهم كذلك في الكشف عن وجوه جديدة من إعجاز القرآن الكريم، خاصة في الآيات الكونية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، مؤكدًا أن هذا ينسجم مع قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف القرآن الكريم: «لا تنقضي عجائبه»، بما يدل على أن معانيه لا تنفد، وأن العلماء يكتشفون من أسراره ما يتجدد مع تعاقب الأزمان.
وأكد نائب رئيس الجامعة أن السنة النبوية المطهرة جاءت متممة ومبينة لكتاب الله تعالى، واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه»، مبينًا أن النصوص النبوية ظلت مجالًا لاجتهاد المحدثين والفقهاء واللغويين، كما كشفت الاكتشافات العلمية الحديثة عن جوانب من الإعجاز في عدد من التوجيهات النبوية المتعلقة بالطهارة، والعدة، وأحكام الأسرة، وغيرها من القضايا التي أثبت العلم الحديث حكمتها.
وأوضح أن الفقه الإسلامي يمتلك من المرونة والأصول ما يمكنه من التعامل مع النوازل والمستجدات، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]، مؤكدًا أن المرجعية الدائمة للمسلمين هي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الاجتهاد المنضبط هو السبيل إلى معالجة القضايا المستجدة في كل عصر.
وأشار فضيلته إلى أن الأزهر الشريف، جامعًا وجامعة، يحمل مسؤولية كبيرة في ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، ونشر الفكر المستنير، ومواجهة الغلو والتطرف، مؤكدًا أن هذا المؤتمر يجسد رسالة الأزهر في تحقيق التكامل المعرفي بين علوم القرآن والسنة والفقه واللغة والبلاغة والمناهج اللسانية والنقدية، بما يسهم في تقديم حلول علمية رصينة للقضايا الفكرية والفقهية والأخلاقية المعاصرة.
وأعرب عن تطلعه إلى أن تخرج جلسات المؤتمر وتوصياته برؤى علمية تسهم في الكشف عن الطاقات الكامنة في التراث الإسلامي، وربطها بمتطلبات الواقع، وتفعيلها في معالجة الإشكاليات المعاصرة، بعيدًا عن الجمود أو التوظيف الشكلي للتراث.
وأكد أن المؤتمر يعكس أيضًا توجه الدولة المصرية نحو تجديد الخطاب الديني وفق منهج علمي رصين، يستند إلى الثوابت الشرعية، ويتوافق مع متطلبات العصر، بما يسهم في ترسيخ قيم الاعتدال وبناء الوعي.
وفي ختام كلمته، تقدم فضيلته الدكتور رمضان عبد الصاوي بالتهنئة للقيادة السياسية، برئاسة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ودولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، و إلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وفضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، وجميع منسوبي الأزهر الشريف، والشعب المصري؛ بمناسبة افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، مؤكدًا أنه يمثل أحد أبرز المشروعات الوطنية التي تعزز كفاءة إدارة مؤسسات الدولة، وتدعم منظومة اتخاذ القرار، وترسخ التكامل بين الجهات المعنية بإدارة الملفات الاستراتيجية.
واختتم فضيلته بالدعاء أن يحفظ الله مصر قيادةً وشعبًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يرد عنها كيد الكائدين والمعتدين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
