ثمة أمر ما يربكني في لولا دا سيلفا، وأظنه يربك كل من يتابع البرازيل عن كثب منذ عقدين. ليس الأمر يتعلق بمسيرته ذاتها — فالصعود من الفقر المدقع إلى الرئاسة، ثم السجن، ثم العودة إلى قصر بلانالتو، هو سردية يعرفها العالم عن ظهر قلب. ما يربكني هو السؤال الذي يتهرب منه المحللون عادة: كيف يمكن لرجل أن يظل، بعد كل هذا، محبوباً إلى هذا الحد من قبل نصف بلد ينقسم على كل شيء آخر؟
لولا دا سيلفا.. من الفقر إلى الرئاسة
في الرابع والعشرين من أكتوبر الجاري، قرر البرازيليون أن يجيبوا على هذا السؤال بأنفسهم. لم يكن الفوز سهلاً. الجولة الأولى، كما لاحظ المراقبون، أظهرت أن ثمة جرحاً لم يندمل بعد: لولا خسر الجولة الأولى بفارق ضئيل أمام فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق.
كتب ريتشارد لابير، الصحافي البريطاني الذي أفنى سنوات في تغطية البرازيل وأصدر هذا العام كتاباً بعنوان “لولا: الرجل، الأسطورة، وحلم أمريكا اللاتينية”، أن استطلاعات الرأي لم تستوعب تماماً عمق الشعور المناهض لحزب العمال. كانت هذه ملاحظة دقيقة.
لكن ما حدث بين الجولتين كان أهم: عشرات الملايين من الأصوات الإضافية التي تدفقت نحو لولا في ثلاثة أسابيع فقط، وهو تحول لا تفسره البيانات الاقتصادية وحدها.
بولسا فاميليا.. ذاكرة الخروج من الفقر
ما يغيب عن كثير من التحليلات هو أن لولا لم يفز يوماً بالاقتصاد. فاز بالذاكرة. ملايين البرازيليين الذين خرجوا من الفقر خلال ولايتيه الأولى والثانية (2003-2010) لم ينسوا من كان في القصر حينها.
برنامج “بولسا فاميليا” لم يكن مجرد سياسة تحويلات نقدية؛ كان عقداً أخلاقياً بين الدولة والمواطن الذي كان حتى الأمس القريب غير مرئي.
وحين عاد لولا إلى الحكم في 2023، لم يستطع تكرار المعجزة الاقتصادية — أسعار السلع الأساسية لم تعد في ازدهارها السابق، والاقتصاد البرازيلي يعاني من اختناقات هيكلية. لكنه استطاع أن يذكّر الناس بذلك العقد.
وحين أعلنت حكومته، بين الجولتين، عن توسيع مدفوعات “بولسا فاميليا” وبرامج تخفيف الديون، لم يكن ذلك مجرد رشوة انتخابية كما وصفه المنتقدون؛ كان استدعاءً لذاكرة جماعية عن زمن كانت فيه الحياة أقل قسوة.
ماسح الأحذية.. سر شعبية لولا
لكن الحب الذي يحظى به لولا ليس مجرد حنين إلى الماضي. إنه مبني على شيء أعمق: الأصالة. هذا الرجل، الذي عمل ماسح أحذية في طفولته وفقد إصبعاً في مصنع للصلب، لم ينسَ أبداً من أين جاء.
حين يتحدث عن الجوع، لا يتحدث كسياسي يقرأ إحصاءات؛ يتحدث كمن عاشه. وحين يدافع عن العمال، لا يفعل ذلك من موقع أيديولوجي مجرد، بل من موقع من كان أحدهم.
هذه الأصالة هي التي جعلت ملايين البرازيليين يغفرون له حتى سجنه في قضايا فساد أُبطلت لاحقاً لأسباب إجرائية. لم يروا فيه سياسياً فاسداً؛ رأوا فيه ضحية لمؤامرة من النخبة التي لم تطق يوماً صعود رجل من طبقتهم.
الانتخابات البرازيلية.. صراع على هوية البلاد
الانتخابات الأخيرة، إذن، لم تكن مجرد استفتاء على الأداء الحكومي. كانت استفتاءً على هوية البرازيل نفسها.
فلافيو بولسونارو، الذي خاض الانتخابات باسم والده المسجون في قضايا محاولة انقلاب، مثّل استمراراً لليمين المتطرف الذي لم يتخلَّ عن سلوكه العدائي تجاه الديمقراطية.
وحين فاز لولا بفارق ضئيل في جولة الإعادة، لم يكن الفوز انتصاراً سياسياً بقدر ما كان تنفّساً جماعياً للصعداء أطلقته البرازيل كلها. البرازيل اختارت، بصعوبة، ألا تعود إلى الماضي.
تحديات لولا دا سيلفا في المرحلة المقبلة
لكن النصر جاء مشروطاً. لولا يعود إلى ولاية رابعة، لكنه يعود إلى بلد أكثر انقساماً، وكونجرس أكثر محافظة، واقتصاد أكثر هشاشة.
وحتى المحللون الذين أرّخوا لمسيرته يدركون أن الأسطورة وحدها لن تكفي هذه المرة. ما فعله لولا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان ممكناً بفضل ظروف عالمية مواتية. ما يفعله الآن سيحدث في عالم مختلف.
ربما هذا ما يجعل حكايته تستحق المتابعة أكثر من أي وقت مضى. ليس لأنه ماسح الأحذية الذي أصبح رئيساً — فهذا فصل أُغلق منذ زمن. بل لأنه رجل يعرف أن البرازيل التي أحبته ما زالت تنتظر منه ما هو أصعب من الفوز: أن يثبت أن الحب الذي منحته إياه لم يكن خطأً في التقدير.
