متابعه خيرى عبد ربه
لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت دراما إنسانية متكاملة الأركان، بطلها رجل يواجه التاريخ، والضغوط، وعوامل الزمن دفعة واحدة. كريستيانو رونالدو، الذي دخل الملعب وهو يحمل على كتفيه آمال أمة وتطلعات ملايين العشاق، وعيوناً تترصد سقطته، عاش ليلة من أشد ليالي مسيرته تعقيداً، قبل أن تنتهي بفرحة “غالية بطريقة لا توصف”، فرحة أعادت الروح لكل من يعشق الشغف في هذه اللعبة. منذ إطلاق صافرة البداية، كان واضحاً أن رونالدو لا يلعب ضد كرواتيا فحسب، بل يصارع ذكريات سيئة وأشباحاً طاردته في الأدوار الإقصائية للمونديال عبر تاريخه. زاد من صعوبة الموقف تكتيك عقيم وعرضيات عشوائية من زملائه، بدا معها المنتخب البرتغالي تائهاً بلا هوية، مما منح كرواتيا الفرصة لتقديم شوط ثانٍ عالمي تكلل بهدف التقدم الذي نزل كالصاعقة. توالت المصائب وكأن السيناريو كُتب ليكون مأساوياً؛ عارضة تعاند “لياو”، وهدف طال انتظاره للدون يُلغى بداعي تسلل مجهري يحبس الأنفاس. بدا وكأن الأبواب كلها غُلقت، وأن الرحلة المونديالية الأخيرة في طريقها لنهاية حزينة لا تليق بأسطورة. لكن كرة القدم، التي تظلم أحياناً، قررت هذه المرة أن تكون منصفة وجدعة مع من أعطاها حياته. ركلة جزاء في أمتار المباراة الأخيرة.. لحظة اختصرت حبس أنفاس الكوكب. تحت وطأة ضغط لا يتحمله بشر، سددها رونالدو في منتصف المرمى بقوة الإصرار لا التكتيك، لتهتز الشباك وتعلن معها ولادة تاريخ جديد: الهدف الأول للدون في الأدوار الإقصائية لكأس العالم، وبطاقة العبور إلى دور الستة عشر. في تلك اللحظة، انصهرت كل الضغوط وتحولت إلى فرحة هستيرية؛ ركض رونالدو واحتفل بفرحة طفل صغير رُزق بمبتغاه بعد طول انتظار. فرحة بريئة جردت الأسطورة من هيبته وحولته إلى عاشق نقي للكرة. أشرقت الشمس من جديد في ليل البرتغال، وبقيت رقصته الأخيرة في المونديال على قيد الحياة. لا أحد يعلم إلى أين سينتهي هذا المونديال برونالدو، وما إذا كان الكأس سيرضخ له في النهاية أم لا، لكن الحقيقة الثابتة التي اتفقت عليها القلوب في تلك الليلة، هي أن هذا الرجل الذي حارب الظروف والضغط والتقدم في العمر، كان يستحق تماماً أن يفرح.
