في السابع من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للقطن. وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه المناسبة عام 2021، بمبادرة من دول «القطن الأربع»: بنين وبوركينا فاسو وتشاد ومالي.
ولا يقتصر هذا اليوم على الاحتفاء بمحصول زراعي مهم، بل يعكس دور القطن في التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية والحد من الفقر. فهو يدخل في صناعة الملابس والمفروشات، كما يمثل مصدر دخل لملايين الأسر ومحركًا اقتصاديًا للعديد من الدول.
القطن عالميًا.. قيمة اقتصادية تتجاوز الزراعة
تنبع القوة الاقتصادية للقطن من كونه سلسلة قيمة متكاملة، تبدأ من الحقل وتنتهي بمنتجات عالية القيمة. فعلى مستوى العالم، لا تشغل زراعته سوى 2.1% من الأراضي الصالحة للزراعة، ومع ذلك يلبي نحو 27% من احتياجات العالم من المنسوجات.
وتُقدّر قيمة إنتاج القطن الخام عالميًا بنحو 46 إلى 50 مليار دولار، بينما تبلغ قيمة صادراته قرابة 17 مليار دولار. لكن القيمة الحقيقية تظهر عند تحويل المحصول إلى خيوط وأقمشة وملابس جاهزة، بدلًا من تصديره خامًا.
وتشير الدراسات إلى أن القيمة المضافة لصناعة القطن، من المادة الأولية إلى الملابس النهائية، قد تصل إلى نحو 900% كحد أدنى. كذلك، تسهم كل فرصة عمل مباشرة في التصنيع في توفير ثلاث فرص أخرى بقطاعات مرتبطة.
وتقدم دول آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، نماذج للتحول الاقتصادي المرتبط بالقطن. ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على محصول واحد يخلق تحديات بيئية واقتصادية. وتظل أزمة انحسار بحر آرال، المرتبطة بالاستهلاك المفرط للمياه، مثالًا واضحًا على ضرورة تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستدامة.
القطن المصري.. جودة عالمية وتراجع في الإنتاج
يتمتع القطن المصري، وخاصة طويل التيلة وفائق الطول، بمكانة متميزة في الأسواق العالمية. ويرجع ذلك إلى خصائصه الفريدة، مثل طول الألياف ومتانتها ونعومتها وتجانسها. ولهذا السبب، ظل خيارًا مفضلًا لدى كبرى بيوت الأزياء العالمية لعقود طويلة.
لكن السؤال المحوري يظل قائمًا: هل أهملت مصر هذا القطاع؟
تحتاج الإجابة إلى نظرة متوازنة؛ فهناك تراجع ملموس في المساحات المزروعة وحجم الإنتاج. فبعدما بلغ الإنتاج المصري نحو 10 ملايين قنطار سنويًا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تراجعت المساحات المزروعة إلى نحو 195 ألف فدان في موسم 2025، مع توقعات بإنتاج يتراوح بين 1.2 و1.4 مليون قنطار.
وتقف وراء هذا التراجع عدة أسباب، أبرزها ضعف التسويق وانخفاض الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج. كما يواجه المزارعون مشكلة تأخر صرف مستحقاتهم، ما يزيد الأعباء عليهم.
وبالتالي، يجد الفلاح نفسه أمام محصول يستغرق من خمسة إلى ثمانية أشهر، بينما لا يضمن له العائد في كثير من الأحيان ربحًا يتناسب مع التكلفة والجهد. ومن هنا، يصبح العزوف عن زراعة القطن نتيجة متوقعة لغياب الحوافز الكافية.
جهود استعادة المكانة.. من القطن الخام إلى المنتج النهائي
في المقابل، تعمل الدولة على استعادة مكانة القطن المصري من خلال المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج. ويستهدف المشروع رفع كفاءة الصناعة المحلية، وتعزيز قدرتها على إنتاج منسوجات عالية الجودة.
ويبرز مصنع «غزل 1» في المحلة الكبرى ضمن المشروعات الرئيسية في هذا المسار. وتتمثل أهمية هذه المشروعات في دعم الانتقال من تصدير القطن الخام إلى تصنيع منتجات نهائية تحمل علامة «صنع في مصر»، بما يرفع القيمة المضافة ويوفر فرص عمل جديدة.
كذلك، نجحت مصر في جذب استثمارات أجنبية كبيرة إلى قطاع المنسوجات، من بينها استثمارات صينية بقيمة 500 مليون دولار لمشروع «Jiangsu Linfa Textile»، واستثمارات بقيمة 385 مليون دولار لمشروع «Lotay».
وعلى الجانب الزراعي، تتواصل جهود تطوير أصناف جديدة من القطن، من بينها «جيزة 95» و«جيزة 98» و«إكسترا جيزة 99». وتهدف هذه الجهود إلى رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة استخدام المياه، مع الإشارة إلى أن نسبة التوفير المستهدفة قد تصل إلى 30% وفقًا للصنف وظروف الزراعة.
كيف يستعيد الذهب الأبيض المصري مكانته؟
خلاصة القول إن مصر لم تهمل القطن إهمالًا مطلقًا، لكنها تأخرت في التعامل مع تحديات تراكمت على مدار سنوات. فقد أسهمت السياسات التسويقية غير المحفزة، وغياب سعر ضمان مجزٍ، وتفتت الحيازات الزراعية، وتراجع الإرشاد الزراعي في إضعاف جاذبية المحصول للمزارعين.
وفي المقابل، توجد جهود واضحة لاستعادة مكانة الصناعة المصرية وتطوير قدراتها الإنتاجية. غير أن نجاح هذه الجهود يتطلب ربط التطوير الصناعي بمصالح الفلاح، حتى لا تتسع الفجوة بين التوسع في المصانع وتراجع المساحات المزروعة.
وتقوم المعادلة الناجحة على ثلاثة محاور أساسية. أولها، ضمان سعر عادل للمزارع وصرف مستحقاته في موعدها. وثانيها، تسريع تطوير صناعة الغزل والنسيج لتعظيم القيمة المضافة محليًا. أما المحور الثالث، فيتمثل في الحفاظ على الأصالة الوراثية للقطن المصري وجودة أليافه، ومنع الخلط الوراثي الذي قد يهدد خصائصه المميزة.
في النهاية، لا يتوقف مستقبل «الذهب الأبيض» المصري على زيادة المساحات المزروعة وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة وعادلة ومستدامة. منظومة تربط الفلاح بالمصنع والأسواق العالمية، وتضمن أن تعود جودة القطن المصري بالنفع على جميع أطراف سلسلة الإنتاج.
