
كتب كرم من الله السيد
ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر فضيلة الأستاذ الدكتور/ حسن الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والدعاة، ودار موضوعها حول تفسير قول الحقسبحانهوتعالى: “فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب”، موضحاأن الناس في ذلك ثلاثة أصناف، كما ورد في الحديث الشريف، يقول النبي: ”مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُنْبِتُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”، وقد شَبَّه النبي ﷺ ما جاء به من الوحي (الهدى والعلم) بالمطر الغزير (الغيث) الذي يُحيي الأرض بعد موتها، وقسّم الناس في تلقيهم لهذا العلم إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: العلماء العاملون (الأرض الطيبة)، هم كالأرض النقيّة (الصالحة) التي تشرب الماء، فتنتفع به وتُخرج النبات والكلأ، وهؤلاء هم الذين فقهوا الدين، ففهموا العلم، وعملوا به، وعلّموه لغيرهم. فانتفعوا بأنفسهم ونفعوا غيرهم، والصنف الثاني: الحُفّاظ الناقلون (الأرض الأجادب)، هم كالأرض التي لا تُنبت، لكنها تحفظ الماء في تجاويفها (الأجادب)، فيأتي الناس فيشربون ويسقون دوابهم ويزرعون، وهؤلاء هم الذين حفظوا العلم ووعوه ونقلوه للناس، لكنهم لم يبلغوا درجة الاجتهاد أو استنباط الأحكام، ومع ذلك نفع الله بهم الناس لأنهم صاروا أوعيةً للعلم يُرجع إليهم، وأما الصنف الثالث: المعرضون (القيعان)، هم كالقيعان، وهي الأرض الملساء التي لا تمسك ماءً ولا تُنبت نباتاً، وهم الذين لم يستمعوا للحق، ولم يقبلوه، ولم يحفظوه، ولم ينتفعوا به، فضلّوا وأضلّوا.
وأشار رئيس أكاديمية الأزهر إلى أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وهذا الاستخلاف يقتضي السعي والعمل والبناء، والمسلم الحق هو من يُدرك أن لحظات عمره هي رأس ماله الحقيقي الذي سيُسأل عنه يوم القيامة، قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب}، وهذه الآية تمثل منهجاً حياتياً متكاملاً؛ فالمؤمن لا يعرف الفراغ السلبي، بل إذا أنهى مهمة من مهام الدنيا، سارع إلى طاعة أخرى، ليظل قلبه معلقاً بخالقه، مُجداً في عمارة كونه، مستبشراً برضوان ربه.
ودعا خطيب الجامع الأزهر في ختام خطبته جموع المسلمين إلى ضرورة التحلي بروح المبادرة والإنجاز، مؤكداً أن تقدم الأمة مرهون بقدرة أبنائها على تحويل التوجيهات القرآنية إلى واقع عملي ملموس، والابتعاد عن التواكل والكسل، معتبراً أن السعي في طلب الرزق وعمارة الأرض بالجد والإتقان هو عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، وأن استثمار الوقت ليس مجرد تنظيم للحياة، بل هو أمانة يُؤدى بها حق الله في عباده، وحق الوطن في بناء مستقبله. وأن يكون لدى المسلم اليقين بأن مع كل تعب راحة، ومع كل ضيق فرج. وأن يعمل على تجديد النشاط، وتنظيم الوقت والمداومة على الطاعات، وعدم التكاسل. وأن يتحلى بالإخلاص، بأن يكون التوجه في كل شيء لله عز وجل، فهو الذي يملك رفع القدر وتفريج الهم.
