
ليست هذه المسلة مجرد قطعة أثرية ضخمة؛ إنها جسر زمني يربط بين مجد الحضارة المصرية القديمة وإبداع الهندسة المعاصرة، في تجربة فريدة تُمكّن الزائر لأول مرة من رؤية خرطوش رمسيس الثاني المنقوش أسفلها، في عرض بانورامي مبهر يعيد كتابة مفهوم العرض المتحفي في مصر والعالم.
– رحلة المسلة من صان الحجر إلى الجيزة
تُعد المسلة المعلقة واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية التي خرجت من منطقة صان الحجر الأثرية بمحافظة الشرقية، والتي كانت تعرف في العصور القديمة باسم بر-رعمسو، أي “بيت رمسيس”، وكانت بمثابة العاصمة الدينية والسياسية خلال عصر الأسرة التاسعة عشرة.
هناك، عُثر على بقايا المسلة الضخمة المصنوعة من الجرانيت الوردي الأسواني، مقسّمة إلى عدة أجزاء بعد أن تعرضت لعوامل الزمن. وقد حملت النقوش والخرطوشات المنحوتة عليها اسم الملك رمسيس الثاني، أحد أعظم ملوك مصر القديمة الذي خلد اسمه في المعابد والتماثيل والمسلات المنتشرة في أنحاء البلاد.
بعد أعمال بحث وتنقيب دقيقة أجراها المجلس الأعلى للآثار، جرى نقل القطع إلى معامل الترميم في المتحف المصري الكبير، حيث خضعت لعملية ترميم علمي دقيقة استمرت عدة سنوات، تم خلالها تنظيفها، ودراسة تركيبتها الصخرية، وإعادة تجميعها وفق أساليب هندسية متطورة تضمن استقرارها دون الإخلال بأصالتها التاريخية.
– تصميم هندسي فريد… المسلة التي لا تلامس الأرض
أطلق عليها اسم “المسلة المعلقة” لأنها تُعرض بطريقة غير مسبوقة في تاريخ العرض المتحفي، إذ تم رفعها فوق قاعدة زجاجية شفافة تتيح للزوار المرور أسفلها والنظر إلى النقوش والخرطوش الملكي المنحوت على قاعدتها، وهو جزء لم يكن بالإمكان رؤيته عندما كانت المسلات قائمة في أماكنها الأصلية.
بهذا الابتكار الهندسي المذهل، يصبح الزائر أمام تجربة بصرية وتاريخية جديدة تمامًا، حيث يمكنه لأول مرة أن يرى الجانب الخفي من الفن الفرعوني، الجانب الذي لم يُصمم للعرض بل للقداسة، كونه يحمل اسم الملك والرموز المقدسة التي كانت توضع في مواجهة الأرض كنوع من التواصل الروحي بين السماء والعالم السفلي.
كما تم تثبيت المسلة باستخدام أنظمة دعم هندسية متطورة تحافظ على سلامتها من الاهتزاز أو العوامل البيئية، في مزيج دقيق من التراث والهندسة الحديثة يعكس فلسفة المتحف المصري الكبير في الجمع بين الأصالة والابتكار.
– رمزية المسلة في الحضارة المصرية
المسلة كانت دائمًا رمزًا للقوة والعظمة والخلود في مصر القديمة. كانت تُقام عند مداخل المعابد لتخليد أسماء الملوك وتكريم المعبود رع، إله الشمس، الذي ترمز إليه قمة المسلة المدببة المصقولة لتعكس أشعة الشمس عند الشروق والغروب.
وكانت المسلة تُنقش من القاعدة حتى القمة بالنصوص التي تمجد الملك وأعماله وبطولاته الدينية والعسكرية.
أما رمسيس الثاني، الذي حكم مصر لأكثر من 66 عامًا، فقد ترك عشرات المسلات في مدن مختلفة داخل مصر وخارجها، منها تلك التي نُقلت إلى باريس وروما ونيويورك. غير أن المسلة المعلقة أمام المتحف المصري الكبير تمثل عودة الروح إلى أرضها الأصلية، إذ تُعرض في موطنها التاريخي لتُعيد للزائر المصري والعالمي مشهدًا من مجد طيبة القديمة، ومهابة المعمار الفرعوني.
– رمسيس الثاني.. الملك الذي نقش اسمه في الصخر
يُعد رمسيس الثاني من أكثر ملوك مصر القديمة شهرة وتأثيرًا، وُلد في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وقاد حملات عسكرية كبرى ضد الحيثيين والنوبة والليبيين، وترك إرثًا فنيًا مذهلًا من المعابد والتماثيل والمسلات. من أشهر إنجازاته معبد أبو سمبل، ومعبد الرمسيوم، وتماثيله العملاقة التي تجسد فكرة “الملك الإله”.
وعلى هذه المسلة المعلقة، يمكن مشاهدة خرطوشه الملكي المنقوش بعناية أسفلها، وهو رمز التقديس والتملك الملكي، الذي يشهد على مدى حرص المصري القديم على ترك بصمته في كل حجر وعمود ومسلة.
– عرض بانورامي مهيب أمام المتحف المصري الكبير
اختير موقع المسلة بعناية أمام المدخل الرئيسي للمتحف المصري الكبير ليكون أول ما يراه الزائر عند دخوله، وكأنها تحية من الماضي للحاضر.
تبدو المسلة وكأنها تطفو في الهواء، محاطة بحديقة أثرية مفتوحة صُممت لتُبرز جمالها في ضوء الشمس الطبيعي.
ومن خلفها، تمتد الواجهة المهيبة للمتحف بزجاجها العاكس للأهرامات الثلاثة، لتكتمل اللوحة البصرية التي تُجسّد حوارًا خلاقًا بين الزمنين: زمن الفراعنة وزمن مصر الحديثة.
وتُعد هذه المسلة أول ما يستقبل الوفود الرسمية والزوار من مختلف أنحاء العالم، لتكون رمزًا معاصرًا لحضارة لا تموت، ورسالة فخر تحمل توقيع الملك رمسيس الثاني بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام.
– التقنيات الحديثة في الترميم والعرض
تم تنفيذ عملية ترميم وتجميع المسلة بواسطة خبراء مصريين باستخدام أحدث الأساليب العلمية، بما في ذلك المسح ثلاثي الأبعاد (3D Scanning) ونظام دعم هيكلي يعتمد على الفولاذ غير المرئي الذي يضمن توزيع الوزن بشكل متوازن. كaما أُضيف نظام إضاءة ذكية يبرز النقوش الملكية والرموز الشمسية في أوقات محددة من اليوم، خاصة عند الشروق والغروب، في مشهدٍ يُعيد للحجر سحره القديم ويمنح الزائر تجربة تأملية روحانية.
– رسالة خالدة من أرض الحضارة
تُعد المسلة المعلقة بمثابة رمزٍ لميلاد المتحف المصري الكبير كأعجوبة معمارية وثقافية معاصرة، فهي ليست مجرد أثر معروض، بل تجربة تُلخّص فلسفة مصر الجديدة في تقديم تراثها برؤية عالمية حديثة.
إنها تجسيد حيّ لروح المصري القديم الذي لم يكتفِ ببناء الحجارة، بل جعل منها رسائل خالدة تتحدث عن القوة والخلود والهوية.
واليوم، حين يقف الزائر أمام هذه المسلة المعلقة التي تعانق السماء، يشعر بأن رمسيس الثاني ما زال يطل على شعبه من عليائه، يراقب التاريخ وهو يُعاد صياغته في أبهى صورة.
المسلة المعلقة ليست فقط نصبًا تذكاريًا من الجرانيت الوردي، بل شاهدٌ على عبقرية المصري القديم وإبداع المصري الحديث.
فمنذ أن نُحتت في صان الحجر قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وحتى لحظة رفعها أمام المتحف المصري الكبير، ظلّت تُجسد روح التحدي والابتكار التي ميّزت مصر عبر العصور.
وبينما يقف الزوار أسفلها مبهورين بالنقوش الملكية التي أُخفيت عن الأنظار لآلاف السنين، يدركون أن التاريخ في مصر لا يُعرض فقط.. بل يُحيا من جديد.
