
حين تطأ أقدامنا محيط مؤسسة تربوية، يفترض أن تنبض الأرواح بالطمأنينة، وأن تفوح في الفضاء رائحة الكتب والدفاتر وأحلام الصغار الوردية. لكن الحقيقة المرة باتت تصدمنا بوجع لا يطاق؛ لقد تحول محيط مدارسنا إلى مسرحٍ لأبشع الآفات، من سموم المخدرات والزطلة، وصولا إلى الكابوس الأكبر الذي يهز أركان الإنسانية: الاعتداءات الجنسية واغتيال الطفولة.
يقول الأخصائي والمعالج النفساني محمد الحناشي في قراءة عميقة لهذه الظاهرة:
“التحرش والاعتداء الجنسي لا يبدأ بفعل صريح فجائي، بل يبدأ داخل الثقافة والعلاقات، وداخل الصمت الذي يعتبر شريكاً خفياً. إن المعتدي لا يقفز مباشرة إلى الجريمة، بل يعتمد ‘تدرج اختراق الحدود’ مستغلاً الهشاشة النفسية وغياب الرقابة، ليكون الاعتداء الظاهر هو الحلقة الأخير في سلسلة من الإهمال المجتمعي.”
لكن، ما يدمي الفؤاد ويزلزل الروح، هو حين لا نكتفي بوجود “حيوان آدمي” يتربص بالصغار، بل حين نرى الضحايا يجرّون ضحايا آخرين! كيف لنا أن ننام ملء جفوننا وهناك طفل لم يتخطَّ الثانية عشرة من عمره، يتم استدراجه من قِبل تلميذين—هما في الأصل ضحيتان لبيئة مشوهة—ليسلّماه إلى وحش بشري جردته الغريزة من كل ذرة إنسانية؟ أيّ قهر هذا الذي نعيشه حين تنتهي الجريمة بقطعة نقدية تافهة في يد الصغار، ثمنًا لغرس خنجر مسموم في قلب براءة لا ذنب لها؟
محيط المدارس: متى يصبح آمنا؟
إننا أمام معضلة تستوجب الاستفاقة الفورية. كمربية تقضي عمرها تزرع في عقول هؤلاء الأطفال الخطوات الأولى للمعرفة، أتساءل بحرقة تنبثق من أعماق وجعي: متى تستفيق الدولة؟ متى نرى دوريات أمنية حازمة ومستمرة ترابط أمام كل مدرسة ومعهد، لا لتنظيم المرور فحسب، بل لتطهير هذه الفضاءات المقدسة من مروجي الموت والذئاب البشرية؟ إن حماية أبنائنا ليست ترفا أو خيارا ثانويا، بل هي القضية الوجودية الأولى لكل مجتمع يحترم نفسه. إن المدرسة التي تعجز عن حماية تلميذ على عتباتها هي مؤسسة مجروحة في أمانتها
زلزال نفسي.. كيف سيحيا هذا الطفل؟
من منظور علم النفس والتربية، فإن الضرر الذي يحدثه الاعتداء الجنسي في هذه السن المبكرة لا يقف عند حدود الجسد، بل هو انتهاك مطلق لمعنى الذات والوجود.
تدمير بوصلة الأمان: هذا الطفل الذي تم الغدر به في محيط مدرسته، كيف سيثق بالعالم مجددا؟
انهيار الثقة:بأي نفسية سيواجه مجتمعاً خذله ولم يحمه في وضح النهار؟
المعتدي الداخلي: الصدمة تترك وراءها صوتا داخليا مدمرا يجعل الضحية تلوم نفسها أحياناً عبر “وهم السيطرة”، لتستمر الجريمة داخل نفسه حتى بعد سنوات من انتهائها.
نحن لا نتحدث هنا عن حادثة عابرة، بل عن اغتيال معنوي متكامل الأركان. إن استدراج طفل بواسطة أقرانه يعكس خللا مرعبا في منظومتنا التربوية والاجتماعية والأسرية؛ فالصمت لم يعد حيادا، بل تواطؤاً صريحاً في الجريمة.
-صرخة لتهز الرأي العام
إن حفظ سلامة الطفل النفسية وعدم الخوض في تفاصيل الجريمة البشعة لا يعني أبدا أن نصمت عن القضية الأم. إنها صرخة فزع نطلقها في وجه كل مسؤول، وكل ولي، وكل مؤسسة في هذا الوطن:
كفى صمتا! كفى تبريرا! وكفى انتظاراً لحين وقوع الفاجعة لنبدأ بالتحرك. إن أطفالنا يموتون نفسيا على أرصفة الشوارع المحيطة بمدارسهم. وإذا لم تلتفت الدولة اليوم قبل غدٍ بوضع خطط أمنية صارمة، وتوفير دوريات حراسة مشددة، وإعادة الهيبة التربوية والأمنية لمحيط المؤسسات التعليمية، فإننا نساهم جميعاً في تقديم براءتنا قرابين على مذبح الإهمال.
ارفعوا أيديكم عن براءتنا.. واجعلوا من محيط مدارسنا حصوناً للأمان، لا كمائن للموت والاغتصاب!
.
