
الواقعة التي تكشفت خيوطها مؤخراً فتحت الباب أمام موجة عارمة من الذهول؛ فالأمر لا يتوقف عند حد ممارسة المهنة بدون ترخيص، بل إننا أمام شخص لم يطأ قَدَمُه مدرجات كليات الطب، ولم يدرس يوماً تشريحاً أو فسيولوجيا، ومع ذلك أدار عيادات، وناظر آلاف المرضى، بل وجسد الصدمة الأكبر بإجرائه عمليات جراحية دقيقة وحرجة في القلب المفتوح على مدار عقد ونصف من الزمان، والأدهى أن قطاعاً واسعاً من هذه الجراحات المعقدة كان يُكتب له النجاح، مما ساعده على بناء شبكة علاقات واسعة وشهرة طاغية مكنته من تقاضي مبالغ مالية باهظة من ضحاياه.
اختراق المنظومة.. تساؤلات مشروعة حول ثغرات الرقابة
يضع هذا الكشف المرعب المنظومة الطبية والرقابية بأكملها في مرمى الانتقاد والمساءلة، ويثير علامات استفهام كبرى حول آليات التدقيق المتبعة طوال 15 عاماً:
غياب الرقابة النقابية والحكومية: أين كان دور نقابة الأطباء ووزارة الصحة (إدارة العلاج الحر) طوال تلك السنوات في التحقق من التراخيص وتجديدها؟
لغز جامعة عين شمس: كيف غاب عن إدارة المستشفيات الجامعية وأساتذة جراحة القلب التحقق من هوية شخص يدعي رئاسة قسم حيوي وحساس لديهم دون وجود سجل أكاديمي له؟
اختفاء زملاء الدفعة: 15 عاماً كاملة مرت دون أن يلتفت أحد إلى أن هذا “البروفيسور” المزعوم ليس له زملات دفعات يعرفونه، ولا أوراق ثبوتية أصلية موثقة في سجلات الدولة الأكاديمية.
الثغرة الخطيرة.. من النصب إلى التهديد المباشر للحياة
إن نجاح طالب مفصول من كلية نظرية في خداع المؤسسات الطبية والمستشفيات والجمهور طوال 15 عاماً، يعكس بوضوح وجود ثغرة خطيرة في منظومة استخراج وتجديد تراخيص مزاولة المهنة، وغياب الربط الإلكتروني اللحظي بين النقابة والجامعات ووزارة الصحة. المسألة هنا تجاوزت حدود الاحتيال التقليدي لتصل إلى مأساة إنسانية هددت حياة آلاف المواطنين الذين وضعوا قلوبهم وثقتهم بين يدي جراح مزيف.
الإجراءات القانونية والمستقبلية:
المسار القضائي: أسدلت الأجهزة الأمنية الستار على رحلة الخداع بالقبض على المتهم، وتحرير المحضر اللازم وإحالته إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات في تهم التزوير في محررات رسمية، وانتحال الصفة، والنصب والاحتيال.
المطالبة بالتطهير: يرى خبراء ومتابعون أن الستار لم يُسدل بعد على القضية الأهم؛ وهي ضرورة التدقيق الفوري والمراجعة الشاملة لكافة السجلات الطبية، وتشديد آليات الرقابة لضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث الإنسانية التي تهز ثقة المواطن في أمنه الصحي.
“القضية تتجاوز جريمة فردية.. إنها جرس إنذار يستوجب ثورة تصحيحية في آليات منح تراخيص المهن الحيوية التي ترتبط بحياة البشر بشكل مباشر.”