
كان هذا المونديال تجسيداً حياً لـ “الحرب الباردة”، حيث تحول الملاعب إلى جبهة مواجهة سياسية مفتوحة بين المعسكرين الشرقي والغربي. إليك أبرز حكايات وكواليس ذلك المونديال الاستثنائي:
1. قمة المخابرات: الشقيقان في مجموعة واحدة!
عندما سُحبت القرعة، حبس العالم أنفاسه؛ فقد وضعت الأقدار ألمانيا الغربية (الرأسمالية المستضيفة) وجارتها ولدودتها ألمانيا الشرقية (الشيوعية التابعة للاتحاد السوفيتي) في مجموعة واحدة (المجموعة الأولى)، في أول مواجهة كروية رسمية في تاريخهما.
تحولت المباراة التي أقيمت في هامبورغ إلى كابوس أمني:
استنفرت أجهزة المخابرات (الـ Stasi في الشرق والـ BND في الغرب) لتأمين اللقاء ومنع حدوث أي حالات هروب جماعي للاعبي الشرق.
جرت المباراة وسط أجواء مشحونة للغاية، وفجرت ألمانيا الشرقية مفاجأة مدوية بالفوز بنتيجة (1 – 0) بهدف تاريخي سجله اللاعب “يورغن سبارسواسر”.
المفارقة أن هذا الفوز جعل ألمانيا الغربية تتأهل كوصيف للمجموعة، مما أبعدها عن مواجهة البرازيل والأرجنتين في الدور الثاني، ويمهد طريقها نحو اللقب!
2. الاتحاد السوفيتي يرفض اللعب في “ملعب الموت”
قبل انطلاق المونديال، شهدت التصفيات وتحديداً في “الملحق العالمي” أزمة سياسية كبرى. كان يتوجب على الاتحاد السوفيتي مواجهة تشيلي إياباً في العاصمة سانتياغو للتأهل.
قبل المباراة بأيام، قاد الجنرال “أوغستو بينوشيه” انقلاباً عسكرياً دموياً في تشيلي أطاح بالنظام الاشتراكي الحليف للسوفييت، وتحول الملعب الوطني في سانتياغو إلى معتقل تعذيب وإعدام للمعارضين.
رفض الاتحاد السوفيتي السفر واللعب على هذا الملعب حرصاً على مبادئه السياسية، وطالب بنقل المباراة لملعب محايد.
رفض الـ “فيفا” تلبية الطلب، فانسحب السوفييت رسمياً. وشهد العالم لقطة سريالية حزينة، حيث نزل لاعبو تشيلي للملعب وحدهم ودون منافس، وسجلوا هدفاً في شباك فارغة ليعلن الحكم نهاية المباراة وتأهل تشيلي وسط مدرجات شبه خاوية!
3. التهديدات الأمنية والقبضة العسكرية
أُقيمت البطولة بعد عامين فقط من فاجعة أولمبياد ميونيخ 1972، وهو ما جعل هاجس العمليات الفدائية أو الإرهابية يسيطر على المنظمين.
تحولت معسكرات المنتخبات، وخاصة منتخب ألمانيا الغربية وقائده “فرانز بيكنباور”، إلى ثكنات عسكرية محاطة بأسلاك شائكة وحراسة مسلحة على مدار الساعة.
طائرات الهليكوبتر كانت ترافق حافلات الفرق في تنقلاتها، في مشهد لم تألفه ملاعب كرة القدم من قبل.
4. منتخب زائيـر (الكونغو الديمقراطية حالياً): اللعب تحت تهديد السلاح
دخلت زائير التاريخ كأول منتخب من إفريقيا جنوب الصحراء يتأهل للمونديال، لكن مشاركتهم تحولت إلى مأساة بسبب دكتاتور البلاد “موبوتو سيسي سيكو”.
بعد خسارة زائير أمام يوغوسلافيا بنتيجة ثقيلة (9 – 0)، جن جنون الدكتاتور وأرسل حرسه الخاص لمعسكر الفريق في ألمانيا.
أبلغ الحرس اللاعبين برسالة واضحة: “إذا خسرتهم أمام البرازيل (المباراة التالية) بأكثر من 3 أهداف، فلن تعودوا إلى دياركم أحياء”.
في تلك المباراة، خسر الفريق بنتيجة (3 – 0) بأعجوبة، وشهد اللقاء اللقطة الشهيرة للاعب الزائيري “إيلونغا مويبو” الذي ركض بغرابة لتشتيت الكرة قبل أن ينفذ لاعبو البرازيل ركلة حرة، وهي لقطة سخر منها العالم لسنوات، دون أن يعلم أحد أن اللاعبين كانوا يستميتون لإضاعة الوقت خوفاً على حياتهم!
5. النهاية: عندما انتصرت “الماكينات” على “الكرة الشاملة”
رغم كل الصراعات السياسية، قدم هذا المونديال كرة قدم غيرت وجه اللعبة للأبد؛ حيث ظهر منتخب هولندا بقيادة الأسطورة يوهان كرويف بما يُعرف بـ “الكرة الشاملة”.
وصلت هولندا للنهائي وكانت المرشحة الفوق عادة للقب، لكن في المباراة النهائية، أثبتت ألمانيا الغربية (الماكينات) بروحها القتالية العالية وقائدها بيكنباور وهدافها التاريخي جيرد مولر أن الواقعية قادرة على هزيمة السحر، ليفوز أصحاب الأرض بنتيجة (2 – 1) ويتوجوا باللقب في مونديال سيبقى خالداً في ذاكرة السياسة والتاريخ.
