كتب كرم من الله السيد
بقلبٍ يرتجف من فرط البوح، اقتربنا من “نحن”؛ ذاك الكيان الذي يتسلّل إلى أعماقنا أكثر مما نعرفه.
هنا، حيث تتعطّل الأقنعة وتنهار حجج الظل، تكشف “نحن” أسرارها كما لو أنها تفتح نافذةً على غرفةٍ ظلّت مغلقة لعقود، فتندفع الحقيقة عاريةً، تتقدّم بخطى واثقة نحو الضوء، وتفضح ما سكتنا عنه طويلًا.
، جلسنا إلى “نحن”؛ ذلك الصوت الجمعي الذي يسكن أرواحنا أكثر مما نُدرك. ويقف بيننا وبين مرآتنا.
في هذا الحوار القصير، ترفع “نحن” الغطاء عن خباياها، فنجد أنفسنا أمام كلماتٍ تقطر صدقًا، وتجرح بقدر ما تُنبّه، وتُعرّينا بقدر ما تكشف ما كُنّا نخشى الاعتراف به
في البداية كيف تري موقعك من الزمن ؟
أجابت “نحن” بوجه صارم وقالت: يا سيّدي، كأننا نعيش خارج حدود الزمن بمسافة قرنٍ كامل، لا يرضينا إلا ما تهواه نفوسنا.
هل تدرك حقيقة ما تقولين؟
بصلابة محارب قديم قالت نحن : نُدرك كل شيء، ثم يتوقف وعينا عند أول عتبة تتعلّق بالآخر. نسير في اتجاه واحد، لا نعرف سواه، ونزعم أننا نملك الحقيقة كاملة، ثم نفرّ منها كما يفرّ القلب من لدغة ثعبانٍ سام.
وكيف تسير حياتك بشكل عام؟
تنهدت ” نحن” وأمالت رأسها اليى الخلف قليلاً وأجابت :
نتشبث بتفاصيلٍ عفا عليها الزمن، ونحطُّ من شأن ما هو جديد، إلا إذا غلّفناه بعفن أفكارٍ قديمة نرفض أن نتخلى عنها.
هل هذه التصرفات من الطيبة؟
بملامح كأنها تصر علي قول الحقيقة أجابت :
طيبون نحن إذ تتعلّق المسألة بمصلحتنا، عاصفون إذا اقترب أحدٌ من “اللاشيء” الذي نحرسه كأنه كنز، طالما أنّ الجميع يدّعي أن هذا اللاشيء أصل الحكاية وبدايتها.
ماذا تعني بلا شئ؟
كل شئ يُلقي الينا هو في الأصل لا شئ نحوله لشئ وشئ مهم للغاية، وقد نصل للقتال من أجل أن نحمية وهو في الأصل لا شئ؟!
هل لديك أمثلة علي الا شئ؟
لدي الكثير علي سبيل المثال لا الحصر : الانتخابات البرلمانية هي في الأصل لا شئ سوي اختيار الأفضل والأصلح والخادم المطيع الواعي وحارس حقيقي لحقوق الوطن والمركز ونحن نحول الا شئ هذا الى نكون أو لا نكون !
نحوله الي حياة وموت، نحوله الا انكسار قبيلة وانتصار قبيلة؟!
هو لا شئ لكننا نحوله الا مزيج من الكره والحقد والقطيعة وربما الى دم .
بعيون بدأت تمتلأ بالدموع أكملت: أخبرتك بأننا نعيش بعيد عن الزمن بقرن وهدا دليلي من الاشئ الذي نتقاسم إرثه مثال : أن يتلفظ أحد باسم مرشح ليس من قبيلته؟! هو لاشئ سوي أنه يري أنه الأفضل لكن نحول الا شي هذا الي خائن وعميل وجاسوس وابن زنا.
وكيف تكون وجهات نظركم ؟
نمضي مع السائرين فقط، لا يؤمن بعضنا إلا بما يُلمس، بما يترك أثرًا مباشرًا في جيوبنا وقلوبنا. نتقاسم بقوة، وإن غفلت العيون عنا افترسنا الميراث دون وجل.
وماذا عن المستقبل؟
لا نؤمن بالمستقبل، والدليل أننا نشتبك مع الحاضر، نحلّله، نجلده، نتصارع معه ولا نتجاوز لحظة الآن، بل نشتعل ونُشعل لحظة الآن .
وماذا لو نظرتم الي المستقبل؟
ولو رفعنا رؤوسنا دقيقةً واحدة نحو الغد لما تعاركنا ولا اشتبكنا.
هل تفصلون بين الكلمة وصاحبها؟
نحن لا نُجيد الفصل بين الكلمة وقائلها، ولا نقبل ممن يختلف معنا حتى أن يبرّر اختلافه.
هل ترون أن الحياة تتبدل؟
لا نستطيع الإيمان بأن الحياة تتبدّل بسُننها وحكمتها، فالأشياء عندنا ثابتة، والوجوه ثابتة، والزمن وإن تبدّل لا نراه إلا كما نريد.
كيف تتعاملون مع المنطق ؟
عند عتباتنا ينتحر المنطق، وتُذبح الفكرة، وتُسحق الرؤية تحت أقدام عنادٍ أعمى. تحوّلنا بسرعة البرق إلى سوق نخاسة، لا يُباع فيه إلا المصلحة، ولا يُشترى إلا ما يُطعم غرورنا.
هل ترون أنكم تحفظون التاريخ بهذا وتصنون المستقبل؟
لم نحفظ تاريخًا، ولم نصن حاضرًا، ولم نحلم بمستقبل. تائهون نحن بين بعضنا، كلٌّ منا يملك الحقيقة كاملة، لا منازع، لا سؤال، ولا حتى رغبة في الإصغاء.
ماذا تعني كلمة “نحن ” عندكم؟
نحن حتى آخر العمر، لا تراجع ولا استسلام، هذا هو شعارنا. نحن ولا غيرنا. نحن الكلمة التي نرددها سرًا وجهارًا، الكلمة التي حجبت عن أعيننا رؤية الآخر، ما دمنا نُجلس “نحن” على عرش نفوسنا. لا نؤمن بغيرنا، لا نرى “هو” ولا “هم” ولا “هؤلاء”…
فقط نحن، وكأننا الحياة ذاتها.
هل يمكن أن تقدمي لنا نصيحة؟
وفي ختام حديثها همست “نحن” كمن يعترف بعد طول مكابرة:
“إن كان لا بدّ من نصيحة، فدعونا نُصغي لأنين الحقيقة قبل أن نصغي لصدى غرورنا. تعلّموا أن تنظروا إلى الآخر كما تنظرون إلى أنفسكم، وأن تتركوا للكلمة حقّها قبل أن تجرّدوها من معناها. لا ترفعوا الأسوار حول قلوبكم، فالأسوار تحبس أصحابها قبل أن تمنع الغرباء. وإن أردتم أن تنجوا بنا… فابدأوا بتهذيب الـ‘نحن’ في داخلكم، لعلّنا يومًا نرى العالم بلا خوف، وبلا عصبية قبلية، وبلا وهمٍ يُسمّى: لا شيء.”
