
كتبت/دكتوره ولاء الطنطاوى
ما نشهده اليوم على بعض منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق «تيك توك»، لم يعد مجرد اختلاف أذواق أو أنماط ترفيه، بل أصبح ظاهرة اجتماعية ذات أبعاد سياسية واقتصادية ونفسية، تهدد استقرار القيم وتضرب فكرة العمل والإنتاج في مقتل.
القضية ليست حرية تعبير، بل تحويل التفاهة إلى نموذج نجاح، وتقديم نماذج زائفة للشباب، تقوم على المال السريع دون جهد، والشهرة دون مضمون، والانتشار دون مسؤولية.
ضرب مفهوم العدالة الاجتماعية
حين يرى شاب متعلم، مجتهد، يعمل ليل نهار، آخرين يحققون ثروات من محتوى فارغ، يصبح السؤال مشروعًا: أين العدالة؟
أين قيمة التعليم؟
أين معنى العمل الشريف؟
هذا الخلل لا يولّد الغضب فقط، بل يولّد إحباطًا جماعيًا، يفتح الباب أمام الاكتئاب، العنف، الانسحاب من المجتمع، وأحيانًا الانفجار الداخلي.
تفكيك البنية القيمية للمجتمع
الأخطر أن هذه المنصات ساهمت في:
تهميش القدوة الحقيقية
تسطيح الوعي العام
ترويج الفهلوة بدل الكفاءة
تشجيع الاستعراض بدل الإنتاج
حتى تحوّل العبث إلى “ترند”، وأصبح السلوك غير اللائق مقبولًا بحجة المشاهدات.
الرزق ليس فوضى أخلاقية
تسويق هذه الظاهرة تحت شعار “ده رزق من عند ربنا” هو تحريف خطير لمفهوم الرزق، لأن الرزق في كل الشرائع مرتبط بالقيمة، لا بإفساد الذوق العام، ولا بتدمير وعي الأجيال.
فالحرية بلا ضوابط ليست تقدمًا، بل فوضى.
والربح بلا مسؤولية ليس نجاحًا، بل استغلال.
مسؤولية الدولة والمجتمع
ما يحدث ليس شأنًا فرديًا، بل ملف أمن مجتمعي يستوجب:
تشريعات واضحة لتنظيم المحتوى
رقابة رقمية تحمي القيم دون قمع
خطاب إعلامي بديل يعيد الاعتبار للعقل
دعم النماذج الإيجابية لا تهميشها
فالدولة التي تترك وعي شبابها نهبًا للتفاهة، تدفع الثمن لاحقًا في شكل بطالة، عنف، وفقدان انتماء.
رسالة أخيرة
لسنا ضد التكنولوجيا،
ولا ضد التطور،
لكننا ضد تحويل المجتمع إلى مسرح عبث،
وضد صناعة نجوم من فراغ،
وضد بيع الوهم لجيل يبحث عن معنى.
المعركة اليوم ليست سياسية فقط…
إنها معركة وعي،
ومن يخسر وعيه… يخسر مستقبله
