بقلم: محمد عبد المعوَّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
“ثانوية عامة أم بكالوريا … من يكتب المصير؟”
يقف التعليم المصري اليوم على مفترق طرق حاسم، بين نظامين مختلفين جذريًا في الفلسفة والرؤية: الثانوية العامة القديمة بنظامها التقليدي القائم على امتحان نهائي واحد يحدد مصير الطالب، والبكالوريا المصرية التي تبدأ تطبيقها في المدارس الحكومية العام الدراسي المقبل، ساعيةً لتقديم نموذج جديد أكثر مرونة وحداثة.
الثانوية العامة عُرفت لعقود بأنها “بوابة المصير”، امتحان موحد لجميع الطلاب يساوي بينهم في الأسئلة والمقياس. لكنها تعرضت لانتقادات واسعة بسبب اعتمادها الكبير على الحفظ، وضغطها النفسي الهائل على الطلاب وأسرهم، وغياب أي تقييم حقيقي لمهارات التفكير أو الإبداع. ورغم ذلك، كان في بساطتها نوع من العدالة؛ الجميع يخضع للمعيار نفسه بغض النظر عن إمكانياته المادية أو موقع مدرسته.
أما البكالوريا المصرية فتمثل نقلة فكرية كبيرة؛ نظام يركز على الفهم بدل الحفظ، ويعتمد على مشروعات وأبحاث عملية بجانب الامتحانات، مع إتاحة أكثر من فرصة للطالب لخوض الاختبار نفسه بدل الرهان على يوم واحد. كما يضيف مواد عصرية كالبرمجة والذكاء الاصطناعي لتأهيل الطلاب لمستقبل مختلف تمامًا عن الماضي.
لكن هذا التطوير يطرح تساؤلات لا يمكن تجاهلها: هل تمتلك مدارسنا الحكومية البنية التحتية والمعلمين المدربين لتطبيق فلسفة جديدة بهذا الحجم؟ كيف نضمن تكافؤ الفرص بين طالب يدرس في نظام يركز على مهاراته وطالب آخر ما زال أسير سباق الدرجات؟ وما آلية القبول في الجامعات بين خريجي نظامين مختلفين جذريًا؟
القضية ليست دفاعًا عن القديم ولا انبهارًا بالجديد؛ بل هي أزمة رؤية شاملة لإصلاح التعليم المصري. فالتطوير الحقيقي لا يقوم فقط على تغيير شكل المناهج أو إضافة مواد جديدة، بل على إعداد بيئة تعليمية عادلة: تدريب المعلمين، تجهيز المدارس، وتوحيد معايير التقييم والقبول الجامعي. من دون هذه الخطوات، قد يتحول النظام الجديد إلى فرصة لفئة محدودة، بينما يبقى البقية عالقين في سباق مرهق يفتقد المساواة.
المعركة الحقيقية إذن ليست بين ثانوية عامة وبكالوريا مصرية، بل بين حاضر يرهق الطلاب ومستقبل نريده أكثر عدلاً وإنصافًا. الإصلاح لا يُقاس بالشعارات ولا بالوعود، بل بقدرتنا على بناء تعليم يضع كل طالب، مهما كان مكانه أو ظروفه، أمام فرصة حقيقية متساوية لتحقيق أحلامه.
قد يهمك أيضاً
مدير أمن كفر الشيخ يتلقى تهنئة رئيس الجامعة
2 Mins Read
حزمة تطوير سوق المال تعلنها البورصة المصرية
2 Mins Read
