بقلم يحي خليفه
القوة الناعمة هو مفهوم صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفارد لوصف القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع.
في الآونة الأخيرة، تم استخدام المصطلح للتأثير على الرأي الاجتماعي والعام وتغييره من خلال قنوات أقل شفافية نسبياً والضغط من خلال المنظمات السياسية وغير السياسية.
إذ قال جوزيف ناي أنه مع القوة الناعمة «أفضل الدعايات ليست دعاية»، موضحاً أنه وفي عصر المعلومات، تعد «المصداقية أندر الموارد».
القوة الناعمة في مصر
يظل المصريون فخورين بـها لبلادهم خاصة أنها برزت في المنطقة العربية من العالم قبل انتشار هذا المصطلح في تسعينيات القرن الماضي على يد “جوزيف ناي” وهذا حقهم،
ففي العالم العربي تعتبر مصر الدولة الأكثر سكانا وذات الجيش الأقوى، بالإضافة إلى تمتعها بموقع هام وجهاز مخابرات ذي نفوذ كبير، وقد كان يقال بأن القاهرة إذا عطست، فإن المنطقة بأكملها قد تصاب بالزكام.
ولأن التاريخ ليس من صنع جيل واحد من البشر، فإن أجيالا طويلة صنعت تاريخ هذا البلد الذي ما تزال آثاره دليلاً عليه، سواء في المرحلة الفرعونية أو اليونانية أو الرومانية أو الإسلامية أو في العصر الحديث،
ويعتبر تاريخ مصر وآثارها أحد أهم مقومات القوة الناعمة لمصر، وعلى مر التاريخ كان موقع مصر سببا من أسباب بلائها وأطماع الأعداء فيها،
ومع ذلك فقد آن الأوان لاستخدام الموقع كواحد من مصادر القوة الناعمة، فليست هناك دولة تتمتع بهذا الموقع المركزي تجاريا وجيوستراتيجيا في العالم كله، هذا رأسمال غير مادي لم نبرع في استثماره بعد.
القوة الناعمة المصرية ياسادة ممثلة في السينما والدراما التليفزيونية والأغاني هي صانعة الثورات بامتياز ، لا لأن “التغيير” مفهوم ثقافي،
ولا لأن الثقافة سلاح المواجهة الأول لدى المصريين، بل لأن الثقافة مكون أساسي في الشخصية المصرية عبر تراث هائل من الفنون المرئية والمسموعة التي ساهمت إلى حد كبير في تنمية الوعي وتطوير العقلية.
وبقدر ما كانت الثقافة هى السلاح الأقوى في وجه التطرف والعنف في المجتمع المصري ولا تزال، فإن التحديات وعنف الحرب الدائرة على الإرهاب،
وإنهاك الاقتصاد المصري وعدم الاستقرار السياسي، قد أثر بالضرورة على حركة القوة الناعمة وتناميها، وأدى لتعثرها وتعطل قدراتها على الإنتاج،
مكتفية أيضا في كثير من الأحيان بأدواتها القديمة ورصيدها الثقافي الزاخر، مستعيدة في كثير من المناسبات الوطنية والأحداث القومية، الأغاني والأفلام نفسها ، وربما أيضا الشعارات نفسها.
القوة الناعمة هي سلاح مصر الأول منذ عشرات السنين وستظل في المستقبل القريب والبعيد تثبت جداراتها كما يحدث الآن ،وما زال العالم العربي،
وسيبقى، يعيش على قوة مصر الناعمة عبر فنونها السينمائية والغنائية والدراما التليفزيونية التي ماتزال تستقطب الجماهير العربية في المشرق والمغرب.
وفى ضوء كل ما سبق، يمكن القول أن مصر كانت ومازالت وستظل صاحبة القوة الناعمة المهيمنة على المستوى الإقليمي لمدة تزيد على ثلاثة عقود قبل ثورة 23 يوليو 1952،
ومازالت مستمرة حتى الآن، فالثقافة والأفكار والقيم المصرية وجاذبية نظامها السياسي والاجتماعي، وشرعية سياستها الخارجية وممارستها الدبلوماسية، وكاريزمية رئيسها بين شعوب العالم الثالث،
كانت وماتزال مصدرا للإلهام والجذب لدول المنطقة العربية ودول العالم الثالث كافة، فالثروات العلمية والفكرية والفنية والثقافية المصرية هائلة ولا تنضب،
ولها جاذبيتها التاريخية فى قلوب وعقول شعوب المنطقة، شاء من شاء وأبى من أبى ستبقى مصر محروسة أبد الدهر بمشيئة الله وقدرته
