
قراءة وتحليل ابولبابة العيدودي..مصر اليوم .تونس
بين الشرق والغرب… هوية لا تبحث عن جواز سفر في عالم الفن المعاصر، لم تعد الهوية الفنية مرتبطة فقط بالمكان الذي يولد فيه الفنان. إنها أصبحت مجموعة من الذاكرات. ذاكرة المكان، وذاكرة اللغة، وذاكرة الطفولة، وذاكرة السفر، وذاكرة المدن التي عبرها الفنان، وحتى ذاكرة المدن التي لم يعش فيها لكنها تركت أثرًا في خياله. ومن هنا يمكن قراءة تجربة خالد الحجار باعتبارها محاولة لصياغة هوية فنية عابرة للحدود. من تونس إلى الخليج، ومن فضاءات عربية إلى باريس، ومن الانتماء المحلي إلى الحوار العالمي، تتحرك تجربته دون أن تفقد جذورها. إنه لا يحمل تونس في حقيبة سفر، بل يحملها في حساسيته البصرية. يحمل ضوءها، وظلالها، وألوانها، وذاكرتها، وربما حتى صمتها. حين يصبح الإنسان لغز اللوحة أكثر ما يلفت في الفن السريالي أنه لا يتعامل مع الإنسان بوصفه كائنًا مكتملًا. الإنسان في السريالية سؤال. وجهه قد يكون قناعًا. جسده قد يكون ذاكرة. عيناه قد تكونان نافذتين على عالم آخر. وهكذا تتحول الشخصيات داخل أعمال الحجار إلى مرايا للمتلقي نفسه. قد يقف أمام شخصية غريبة، ثم يكتشف بعد لحظات أنه لا ينظر إلى شخص غريب، بل إلى جزء من ذاته. وهنا تنتصر اللوحة. لأن أعظم اللوحات ليست تلك التي تجعلنا نقول: ما أجملها، وإنما تلك التي تجعلنا نتوقف لحظة ونسأل: لماذا أشعر أنها تعرفني؟ خالد الحجار… عندما يصبح الجنون الجميل لغةً الفن يحتاج أحيانًا إلى شيء من الجنون الجميل. إلى جرأة الفنان على أن يقول ما لا يستطيع الآخرون قوله، وأن يرى ما لا يراه الآخرون، وأن يضع أمامنا عالمًا يبدو للوهلة الأولى مستحيلًا، ثم يقنعنا بعد ذلك بأنه ربما يكون العالم الحقيقي، وأن عالمنا الذي اعتدنا عليه ليس أكثر من حلم طويل. هنا تحديدًا يلتقي خالد الحجار مع جوهر السريالية. إنه لا يرسم الواقع كما اعتدناه، بل كما يمكن أن يكون في الجانب الآخر من المرآة. مرآة لا تعكس الوجوه فقط، وإنما تعكس المخاوف والرغبات والأسئلة والذكريات. الفن حين يتحول إلى سفر مسيرة خالد الحجار هي في جوهرها رحلة. رحلة بين المدن. رحلة بين المعارض. رحلة بين المدارس الفنية. ورحلة أعمق داخل الذات. وقد تكون قيمة هذه الرحلة في أنها تؤكد أن الفنان الحقيقي لا يستقر في محطة واحدة. فكل نجاح يصبح بالنسبة إليه بداية جديدة، وكل معرض يتحول إلى سؤال، وكل لوحة تصبح دعوة إلى لوحة أخرى. وهكذا يظل الفنان في حالة بحث دائم. والبحث هو قلب الفن. خاتمة: لوحة تترك بابها مفتوحًا خالد الحجار فنان تشكيلي سريالي اختار أن يجعل من الحلم لغة، ومن اللون ذاكرة، ومن الشكل سؤالًا، ومن اللوحة فضاءً للعبور. تجربته، بما راكمته من حضور ومعارض واحتكاك بفضاءات فنية عربية ودولية، تضعه في مسار يبحث عن خصوصيته بعيدًا عن الاستنساخ. وفي عالم تتشابه فيه الصور بسرعة مذهلة، تصبح مهمة الفنان أن يصنع صورة لا تشبه سواها. وهذا هو التحدي الحقيقي. أن تضع على القماش شيئًا لا يمكن للآلة أن تفكر فيه بالطريقة نفسها. أن تمنح اللون روحًا. وأن تجعل المتلقي، بعد أن يغادر المعرض، يحمل معه شيئًا من اللوحة… أو تحمل اللوحة شيئًا منه. وربما لهذا لا تنتهي لوحات خالد الحجار عندما يخرج منها آخر زائر. إنها تظل معلقة في مكان آخر… في الذاكرة. هناك، حيث لا جدران للمعارض، ولا حدود للون، ولا نهاية للحلم.
