
كتب كرم من الله السيد
في حياتي مواقف كثيرة عبرت أمامي ثم مضت، لكن هناك دقيقة واحدة بقيت حاضرة في ذاكرتي، غيّرت نظرتي إلى الناس وإلى الغضب وإلى الأحكام المتسرعة.
كان لي صديق وقور، يشبه في الشكل الزعيم جمال عبدالناصر ، رزقه الله خبرة وهيبة وهدوءًا يلفتان الأنظار.
كان يعمل في أحد الشركات الكبري، واصتدمت مبادءه مع الكبار! فتم فصله ، وبعد أن ضاقت به الدنيا ساقني الله اليه فساعدته في الحصول على وظيفة متواضعة، في إحدي شركات الإستراد ، فاجتهد حتى صار خلال سنوات قليلة من كبار المسؤولين في شركته، وكنت أقول له مازحاً: ربنا رزقك شكل عبدالناصر وتاريخ السادات ،يتقاضى راتبًا يحلم به كثيرون. كنت أفرح لكل نجاح يحققه وكأنه نجاحي.
وفي يوم جاءني شاب متزوج ويعول نلقبه ببلدياتي يبحث عن عمل، فتذكرت صديقي.
وتواصلت معه من أجل ايجاد عمل له فقال: أخيراً هقدر أحس إني وفيت حاجة من جميلك، وأردف قد تم تعينه دونما أن اراه ، وبالفعل في اليوم الثاني استقبله الرجل بامتنان، ووظفه فورًا.
مضى عام كامل، ثم فوجئت بقريبي يتصل بي باكيًا، يشكو أن صديقي أهانه وششتمني أنا و وضربه وطرده من العمل دون ذنب.
اشتعل الغضب في صدري، اتصلت به فلم يرد ؟! غضبت بجنون ،وحملتني الحمية إلى مقر الشركة. دخلت ثائرًا أصرخ وأسب وأتهم، حتي استوقفني الأمن وخرج صديقي هادئاً ، وأكملت يااااواطي ، يااااا واطييييي بينما ظل صديقي ثابتًا في هدوئه.
دعاني إلى مكتبه، فرفضت الاستماع وأمعنت في ثورتي. ثم اقترب مني وقال بهدوء هامساً : “بلدياتك سرق الشركة.”يا استاذ كرم ….
ثم دعاني لمكتبه ، وافقت دونما إرادة مني هذه المرة ، ثم جلس وضغط زرًا أمامي، فظهرت تسجيلات تثبت السرقة بالصوت والصورة. ثم ناولني مستندات تؤكد أنه تكفل بسداد قيمة المسروقات من راتبه، وفصل الشاب برفق حفظًا لصداقتنا، ولجميلي عليه بينما دخل شركاؤه السجن.
وأردف نعم ضربته بالقلم، ونعم شتمته، ولكن لإنهاء الأمر علي هذا النحو دون دخوله السجن مع الباقين.
في أقل من دقيقة انهارت كل تصورات الغضب التي بنيتها، وتحول يقيني إلى خجل عميق.
منذ ذلك اليوم أيقنت أن كثيرًا من الخصومات والقطائع، بل وحتى الجرائم والثارات، تبدأ بخبر ناقص وحكم متعجل. وكل ما نحتاجه أحيانًا ليس أكثر من دقيقة واحدة للاستماع قبل أن نهدم أعمارًا كاملة ونندم حيث لا ينفع الندم.
فقط أخبروا العالم بأنه يحتاج إلى دقيقة واحدة قبل الندم. عرض أقل
